صدرت عن القضاء المصري خلال العهد الانقلابي الأخير أحكام هزلية بالإعدام طالت المئات من معارضي الحكم العسكري وشملت تقريبا كل الأوجه السياسية المصرية التي كانت تتمتع بالشرعية الانتخابية بعد ثورة يناير. اليوم أصدرت محكمة ليبية مختصة أحكاما بإعدام قياديين في نظام القذافي بمن فيهم نجله الأكبر بعد جولات طويلة من المحاكمات والمرافعات. قبل ذلك بأيام أصدر النظام الطائفي في سوريا حكما بإعدام فيصل القاسم وميشيل كيلو وعدنان العرعور وآخرون. الأحكام الأخيرة رغم اختلاف سياقاتها هي أحكام سياسية بامتياز وتوجب التوقف عند بعض مضامين العدالة العربية باعتبارها دائرة من دوائر الصراع الرئيسية في المنطقة وجزء من حرب التحرير الحقيقية من أجل بناء وعي عربي يكون أساسا يُبنى عليه.

أحكام الإعدام المصرية تدخل في إطار سعي النظام العسكري إلى تحقيق هدفين يتصور أنهما قادران على استعادة مشهد ما قبل الخامس والعشرين من يناير. يتمثل الأول في تصفية الخصوم السياسيين بشكل نهائي حيث تخفي الأحكام القاسية رغبة كبيرة في الانتقام وفي التغييب من أجل طي الصفحة بشكل نهائي. أما الهدف الثاني فيتمثل في ترويع الخصوم السياسيين الآخرين وترهيب الوعي الجماهيري وإعادة ترميم جدار الخوف الذي يتأسس عليه النظام الاستبدادي عامة. أحكام الإعدام السورية والصادرة عن النظام الطائفي ليست إلا هرولات ما قبل السقوط حيث يقدم ما تبقى من النظام محاولات للإقناع بأنه لا يزال على قيد الحياة ولا يزال قادرا على إصدار أحكام وأوامر ومراسيم في حين لا يتجاوز حيز الحركة الفعلي له بعض الأحياء في العاصمة دمشق. أما أحكام الإعدام الليبية الأخيرة فتدخل في حيز العدالة الانتقالية حيث تحاكم المحاكم المنتصرة بعد ثورة فبراير الخالدة أزلام النظام القديم من مسئولين تورطوا في مجازر حقيقية وفي تصفية معارضين سياسيين بشكل وحشي خلال أكثر من أربعة عقود من الزمان.

المشاهد الثلاثة الجامعة بين أحكام الإعدام ـ باعتبارها أعلى وأقسى أنواع العقاب التي يمكن أن تطال الفرد أو المجموعة ـ تختلف سياقيا بحسب النظام الحاكم وطبيعته لكنها من ناحية أخرى تطرح بعمق أزمة العدالة العربية وأزمة القضاء وأزمة المنظومة الجزائية التي لم تستقل بعد عن النظام الحاكم وعن دوائر النفوذ والفساد المرتبطة به. فلا يمكن بأي حال الجمع في نفس الإطار بين التهم الملفقة لصحفي الجزيرة الأشهر ـ الدكتور فيصل القاسم ـ والدكتور محمد مرسي رئيس مصر الشرعي من جهة وبين مجرمي النظام الاستبدادي الليبي من جهة أخرى فالتنافر بين المجموعتين لا ينكره أحد لكن طبيعة النظام السياسي الحاكم في سوريا وليبيا ومصر هي التي توحد بين الأحكام لا التهم الملفقة في السياقين المصري والسوري حيث لا تزال قبضة النظام الرسمي العربي هناك تتحكم بالمشهد ولو جزئيا.

الثابت من ناحية أخرى هو أن انهيار المنظومة الجزائية العربية يعد سببا من أسباب اندلاع الربيع العربي نفسه لأن السلطة القضائية كانت جزءا أساسيا من المكون الاستبدادي في المنطقة  وهي مكون تحول في الكثير من البلدان إلى أداة ضاربة وإلى ذراع من أبطش أذرع الطغاة.

حكم الإعدام لا يقتصر على المنطقة العربية بل هو حكم قار في الكثير من الأنظمة التي ترى في العقوبة إجراء قادرا على الحد من الجرائم البشعة وأداة من أدوات الردع الاجتماعي مثلما هو الحال في الصين أو في الولايات المتحدة أو في المملكة السعودية أو في إيران. من الناحية الحقوقية يواجه الحكم موجة معارضة كبيرة من طرف الجمعيات والمؤسسات المدافعة عن حقوق الإنسان والتي ترى في الإجراء ممارسة قروسطية متخلفة لن تساهم في القضاء على الجريمة بقدر ما قد تكون ممارسة ظالمة في حال ظهور براءة المتهم مثلما هو الحال في الكثير من الأحكام الصادرة بالولايات المتحدة خاصة.

أحكام الإعدام العربية هي  في كل الحالات ـ خاصة تلك الصادرة في إطار الربيع العربي ـ  وسيلة لتصفية الحسابات السياسية وأداة من أدوات انتقام النظام ـ أو من يملك السلطة وأدواتها ـ من الخصوم السياسيين أو من المعارضين بشكل عام.

الربيع العربي كان ولا يزال فرصة ثابتة من أجل إصلاح ما يمكن إصلاحه من المؤسسات السيادية القادرة على صياغة دولة القانون والمؤسسات أي دولة العدالة الاجتماعية ودولة العدل كما صورها الكثير من المفكرين العرب كابن خلدون. الربيع العربي ومجموع الثورات المرتبطة به و الشعارات التي رفعتها الجماهير في مختلف الساحات والميادين جرس إنذار سلمي عن طبيعة المطالب والحاجات التي يمكن أن تمنع تلبيتها وتحقيقها رجات أعنف في المستقبل المنظور.

 » العدل أساس العمران والظلم مؤذن بخراب العمران » وليس تخلف الدولة العربية في شكلها الإقليمي والانهيار الكبير الذي تعرفه السيادة العربية ووقوعها اليوم تحت تهديد المطامع التوسعية لقوى إقليمية ودولية إلا وجها من وجوه فساد المنظومة القانونية. لا حل اليوم دون تطبيق القانون ودون محاربة الفساد من أجل الحد من النزيف الكبير الذي تعرفه  » خير أمة أخرجت للناس « 

0

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *