19/02/08

أي مستقبل للحركات الجهادية؟ القاعدة وداعش بعد الخلافة

تبحث الدراسة الصادرة عن المعهد الفرنسي للدراسات الدولية بباريس المعنونة بـ “أي مستقبل للحركات الجهادية؟ القاعدة وداعش بعد الخلافة” والصادرة في شهر يناير كانون الثاني الماضي، مستقبل الحركات الجهادية في العالم في السنوات القادمة، بعد انحسار مناطق نفوذها في السنوات الأخيرة، وذلك من خلال عرض بانورامي لقوة هذه الحركات في مختلف الجبهات القتالية وتفكيك لطرق عملها.

وتقر الدراسة أن هذه الحركات شهدت تراجعا في التأثير وفي مجالها الجغرافي، وذلك منذ منتصف العام 2016. فقد انسحب تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية من العاصمة الوحيدة إقليميا التي يديرها في اليمن وهي ميناء مكلا في حضرموت في شهر أبريل نيسان 2016. وفي شهر ديسمبر كانون الأول من نفس السنة، اضطر تنظيم داعش إلى إخلاء ميناء سرت في ليبيا. وانسحب التنظيم تدريجيا من الرمادي والفلوجة قبل خسارة عاصمتيه، الموصل في يوليو 2017 والرقة في أكتوبر تشرين الأول من نفس السنة وذلك بعد معارك دامت تسعة أشهر. وهو ما يمكّن من القول أن التنظيمات الجهادية تعاني لإيجاد مناطق دائمة لها في العالم الإسلامي.

فيما يخص الغرب، أكدت الدراسة أن قدرة التيار الجهادي على شن ضربات في الدول الغربية قد ضعف، فلم تعرف فرنسا، منذ صائفة 2016، هجمة مؤثرة، وخلفت الهجمات المعزولة عددا محدودا من الضحايا. وبين يناير كانون الثاني من سنة 2015 ويوليو 2016، قتل 238 شخصا في فرنسا جراء العمليات الإرهابية بينما خلفت العمليات التي تمت بين أغسطس آب 2016 وموفى 2018 ثلاث عشرة ضحية إضافية. استهدفت الهجمات دولا أخرى من الاتحاد الأوروبي في نفس الفترة ولكن هجومين فقط خلفا عشرة قتلى (مانشستر في مايو 2017 وبرشلونة في أغسطس آب 2017). وكان الهجوم الأسوأ سنة 2018 على الأرض الأوروبية هو هجوم ستراسبورغ الذي خلف خمسة قتلى.

يمثل هذان العاملان، أي خسارة مناطق جغرافية واسعة في العالم الإسلامي وقدرة أقل على توجيه ضربات في الدول الغربية، مصدر شعور بالنصر لخصوم الجهاديين، وهو ما عبر عنه بعض السياسيين في فترات سابقة، حيث أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي “النصر النهائي” و”نهاية الحرب على داعش” في ديسمبر كانون الأول 2017 ليعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بعد شهر أنه “فخور بالقول أن التحالف الدولي ضد داعش قد حرر تقريبا كل المناطق التي يسيطر عليها داعش في سوريا والعراق”.

ولئن بدا التيار الجهادي ضعيفا فإنه من السابق لأوانه إعلان النصر. وقد صرح وزير الدفاع الأمريكي في منتصف مايو 2018 بأن تنظيم داعش يحتفظ بعدد من المقاتلين يتراوح بين 15500 و 17100 عنصر.

بصورة عامة، تشير جميع القرائن إلى أن التهديد الجهادي موجود بقوة وأن الضعف الذي يكتسيه حاليا ليس إلا مرحلة إعادة تنظيم، مثلما كان الأمر في الماضي. وستعمل هذه الدراسة على تحديد ديناميكيات التيار على المستويين المحلي والعالمي، وهي التي ستحدد هيكلته في السنوات القادمة.

تقدم الدراسة في فصلها الأول الديناميكيات الستة للتيار الجهادي العالمي والتي ستساعده على الاستمرار في السنوات القادمة وهي:

  1. التهديد المستمر، وهذا يعود لأسباب عدة أهمها التناغم في الطرح الإيديولوجي لفكر التيار، جاذبية هذا الطرح بالنسبة إلى الأفراد أو المجموعات المنقطعة عن مجتمعاتها بفعل حظر مسلط عليها، ضعف الدول في الشرق الأوسط وإفريقيا، سوء إدارة مناطق النزاع أو غياب الإدارة فيها، تواصل التدخل الغربي في العالم الإسلامي، عجز أغلب الدول الإسلامية على تلبية حاجيات الأجيال الجديدة وسهولة الولوج إلى التكنولوجيات الحديثة التي ترفع القدرة على التجنيد خارج مجال الدولة.
  2. تيار جهادي منقسم بين تنظيم داعش وتنظيم القاعدة منذ 2013 وهو ما ولد حالة من الوهن في التيار لم تخف التسابق الحاصل بين التنظيمين وبينما مثل إعلان داعش “الخلافة” خطوة للابتعاد عن القاعدة وكسب أعداء إضافيين، أصبح تنظيم القاعدة مكشوفا بدرجة كبيرة وذلك بعد التحالف مع مجموعات محلية. وينقسم الخبراء حول وضع القاعدة بين من يعتقد أن المنظمة في انحسار وبين من يرى عكس ذلك أي أن التنظيم بصدد استعادة قوته. ومهما يكن الأمر فإن الثابت هو أن الصراع بين الشقين سيتواصل لعقد آخر. لكن هذا لن يمنع إعادة تشكل التيار الجهادي بصورة لا يمكن التكهن بها.
  3.  من الواضح أن المجتمع الدولي لم يعد متسامحا مع وجود كيان جهادي بسلطة محلية يمكن أن يمثل تجمعا وملجأ للجماعات الإرهابية العابرة للدول مثلما فعلت القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في مالي وداعش في سوريا والعراق. وإذا فهم الجهاديون هذا الدرس، فإنهم سيعملون على صور أخرى من التوطين. أبرز مثالين يمكن أن يعمل التيار على تحقيقهما هما الإمارة المحلية (مثلما فعلت طالبان في أفغانستان بين سنتي 1996 و2001 والتي حافظت على صلات مكشوفة بالتيار الجهادي العالمي دون العمل على تحقيق أهدافه الدولية.) أو المثال المشابه لما فعلت حركة الشباب الصومالي بعد 2016 حيث تحافظ الحركة على سلطة شكلية وسلسة تضمن لها موارد المنطقة وتمنع الدولة من إعادة السيطرة على المنطقة. ويتميز هذا المثال بأنه يمكن أن يمتد زمنيا لمدة طويلة وأن الجهاديين يحبذونه ولا يريدون الخروج منه خشية استفزازا خصوم أقوياء.
  4. نقاش حول الأولويات الإستراتيجية حيث يتواصل الانقسام داخل التيار الجهادي بسبب النقاشات حول طبيعة الأعداء وترتيبهم. سيكون الخلاف الأساسي، وهو خلاف قديم، أيهما أولى بالاستهداف؟ العدو القريب (حكومات الدول الإسلامية المتحالفة مع الغرب) أم العدو البعيد (الدول الغربية).
  5. المتغير الإسلامي حيث الصراع بين الإسلاميين والجهاديين ثابت ولا بد من متابعته في السنوات القادمة. وهذان التياران يتبادلان الانتقادات وربما تصادما على مر السنوات والفرضية الأكبر أن يواصلا كخصمين لكن لا يمكن الجزم بانعدام التقارب مستقبلا وذلك جراء الضغوطات التي تمارس على تيار الإسلاميين فتدفعهم إلى التشدد وربما عقد تحالفات مع الجهاديين (مثلما الأمر في مصر).
  6. الاستفزاز حيث أن الجماعات الجهادية، في صورة استخلاص العبرة من فشل خلافة أبي بكر البغدادي، ستعود إلى  منهجها الكلاسيكي الذي يرواح بين الهجمات الصغيرة المنتظمة وهجمات استعراضية تخلف عددا كبيرا من القتلى. يهدف هذا المنهج إلى استنزاف الخصم ودفعه إلى ردة الفعل. ويمكن أن تكون لردة الفعل تأثيرات خارجية كذهاب الدول الغربية إلى مناطق عمليات صعبة تسبب لها خسائر مادية وبشرية مرتفعة أو تأثيرات داخلية وذلك بالدفع نحو سياسات حكومية غير مدروسة جيدا تستهدف المسلمين في المجتمعات الغربية فيضخم التيار الجهادي فكرة الصراع حول ثنائية الأمة والكفار.

عرضت الدراسة، في فصلها الثاني، الجبهات التي يتمركز بها التيار الجهادي وكشفت أنه سنة 2018 نشط أتباع هذا التيار في أكثر من 60 دولة. وفيما يلي رسم توضيحي يبين أهم الأقاليم:

وفي فصلها الثالث، تطرقت الدراسة إلى طرائق الفعل والتأثير التي يتوخاها الجهاديون حيث أكدت على قدرة التيار على التجديد ومباغتة أعدائه وقد جعل الهجومات الانتحارية أمرا يسيرا للجميع واهتم بأسلحة الدمار الشامل وطور استخدامات الانترنت سواء من أجل غايات الدعاية الإعلامية أو للتواصل بين أعضائه.
واستفاد التيار الجهادي إلى أقصى الدرجات من العولمة الرقمية ومن دمقرطة التكنولوجيات الحديثة مما مكنه من بث رسائله بطريقة مبتكرة وأسرع.

 

 

إعداد : مركز قصد / فريق التّقارير
التّاريخ : 08 / 02 / 2019

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

hyyyyyyyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyyy