16/09/23

الأمة بين أطماع الإمبراطوريات

جزء كبير من الفوضى العربية ومن الحروب والصراعات الدائرة على أرض العرب إنما يعود في الجزء الأهم منه إلى الأطماع الامبراطورية في المنطقة وإلى انكشاف الجبهة العربية على أخطر أنواع التمدد الذي تعود جذوره الحقيقية إلى مطلع القرن المنقضي. بل من الممكن القول بأن المشهد اليوم هو في الحقيقة تحول نحو السطح إلى ما كان يعتمل تحت الأرض طوال فترة طويلة أي أن الربيع العربي حوّل الاختراق والتمدد الذي كان يُنجز في الأعماق بواسطة القوة الناعمة للامبراطوريات التوسعية إلى عمل مرئي بوسائل عسكرية مباشرة. لا يقتصر مسرح الأحداث على الامبراطوريا ت الكلاسيكية كالامبراطورية الأمريكية ومخلبها الصهيوني في أرض فلسطين بل يتجاوزه إلى التمدد الجديد للامبراطورية الفارسية نحو الأرض العربية بوسائل محلية هذه المرة تتجاوز أدوات التدخل الخارجي لتحدث على الأرض اختراقات كبيرة أدت إلى سقوط عواصم عربية بكاملها على طاولة المشروع الإيراني.

تاريخ الحضور الإمبراطوري

لا يخفى أن الحضور الاستعماري في المنطقة العربية يعود في جزء كبير منه إلى نتائج الحرب العالمية الأولى ومجموع الاتفاقيات التي نسلت عنها وأهمها اتفاقية “سايكس بيكو” الشهيرة والتي قسمت المنطقة العربية وخاصة منطقة المشرق على النحو الذي نرى.الاتفاقية الشهيرة بين وزير خارجية بريطانيا ووزير خارجية فرنسا سنة 1916 سمحت بتقطيع مفاصل المنطقة على نحو تستفرد فيه الامبراطوريتين الفرنسية والبريطانية بخيرات هذه البلدان وتقنّن نهب ثرواتها وتحويلها إلى مناطق نفوذ وتمدد وتمنع كل نهضة ممكنة قد تهدد مصالحها. بعد ذلك رسخت الحرب العالمية الثانية ونتائجها الكارثية الحضور الاستعماري في المنطقة عبر زرع السرطان الصهيوني في أرض فلسطين في الوقت الذي لم تتخلص فيه الأمة العربية تماما من النفوذ العثماني الذي كان يصارع هو الآخر من أجل البقاء خاصة بعد خسارة الحلفاء في الحرب الثانية. في هذه المرحلة من تاريخ الأمة كانت حظوظ النجاح والفشل متساوية تقريبا بين اللأمم الكبرى التي تكون منطقة الشرق والتي تقع على تخوم المنطقة العربية مباشرة أو حتى بالنسبة للدول الأروبية المنهزمة منها والمنتصرة بعد الخراب الذي خلفته الحرب الثانية وحجم الدمار الذي طال كامل القارة الأروبية تقريبا. خلال هذه الفترة لم تتمكن الأنظمة العربية وما يسمى بدول الاستقلال من صياغة مشروع حقيقي للنهضة أو لتكوين الدولة العصرية مثلما نجحت في ذلك دول أخرى مثل تركيا أو في طور متأخر الجمهورية الاسلامية الايرانية بعد حروب طويلة داخل المنطقة العربية.

إن الفراغات الكبيرة التي تركها النظام الرسمي العربي المنشغل خلال النصف الثاني من القرن المنصرم بالصراعات الايديولوجية الداخلية وبالنزاعات العربية العربية هي التي سمحت بالهزائم العسكرية التاريخية بدء بحربي 1948 و 1967 وصولا إلى الحالة الكارثية التي نحن عليها الآن.

في معنى الإمبراطوريات التوسعية

إذا كان النعت “توسعي” شاملا لكل القوى غير العربية الموجودة في المنطقة اليوم لأنه ملازم طبيعي لمصطلح الامبراطورية التي هي في مفهومها كيان توسعي فإن طبيعة الخصائص الذاتية لكل هذه الامبراطوريات تختلف في خطورتها وفي طبيعة النتائج المترتبة عنها. الإمبراطورية قائمة حسب الأدبيات السياسية الكلاسيكية على مبدأ الغلبة والقوة من ناحية ومبدأ التمدد من ناحية ثانية ثم مبدأ الغنيمة من ناحية ثالثة وهي مبادئ أساسية تحدد كيونونة الوجود الإمبراطوري وترسم شروط بقائه وديمومته. الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية الوريث القديم للمنطقة العربية عبر معاهدة “سايكس بيكو” يقتصر وجودها على الإثراء الاقتصادي متمثلا في محوري الأسواق المحلية والموارد الطاقية والمصالح الإستراتيجية عبر صفقات الأسلحة والاتفاقيات العسكرية وهو نفس المنوال الذي يخص الإمبراطورية الأمريكية باعتبارها الوريث الشرعي للإرث الفرنسي البريطاني .الكيان الصهيوني ورغم  الأبعاد الهندسية النسبية التي يختص بها مقارنة ببقية البُنى الإمبراطورية الكبيرة في المنطقة فهو يمثل من جهة وظيفية كيانا ذو نزعة توسعية هي الأكبر في المنطقة جغرافيا مثلما تُظهر ذلك المقارنة بين مساحة  الكيان الغاصب في بدء نشأته سنة 1948 ومساحته اليوم أو عدد المستوطنات التي يشيدها كل سنة على أرض أهل الأرض. لكن ما يسمى بدولة إسرائيل إنما تستمد وجودها من خرافات أسطورية وجدت طريقها رغم سذاجتها إلى العقل اليهودي المسكون بالوعود التوراتية والنبؤات العبرية التي ترى في أرض العرب موطنا لإمبراطورية بني صهيون وهو نفس المنوال الخرافي الذي يحكم الذهنية الصفوية في بعدها التوسعي. الإمبراطورية القديمة الجديدة هي الإمبراطورية الفارسية التي  شكّلت بحكم موقعها الجغرافي وعناصر التاريخ المشترك التي صهرها المكوّن الإسلامي خلال ما يزيد عن أربعة عشر قرنا من الزمان مع الشعب العربي شكّلت كيانا خصوصيا مقارنة بمُجمل النماذج الإمبراطورية الأخرى. الحلم الإمبراطوري القديم لم يغادر مخيال القادة الإيرانيين سواء خلال حكم نظام الشاه وسلالة “بهلوي” أو مع قيادات الجمهورية الإسلامية التي مزجت الحلم القومي الفارسي بنزعة دينية عقائدية شيعية تفصل بين الوجود الفارسي عقائديا وبين الوجود العربي باعتباره وجودا سنيا بالأساس.

اليوم تكاد الأطماع الإمبراطورية جميعها تلتقي على خط واحد رغم تمايز المصالح واختلاف الاستراتيجيات المعتمدة لبلوغ هذه المصالح بين الكيانات التي تتنازع المنطقة بل نكاد نجزم أن الحرب الخفية بين هذه الأمم على الأرض العربية تتطور اليوم في شكل اتفاقيات سرية لتقاسم المنطقة من جديد. وليس اتفاق الأمريكي الإيراني الأخير حول البرنامج النووي إلا الجزء الأصغر من هذه الصفقات التي ستَرسم خريطة المنطقة العربية في المستقبل القريب والمتوسط والبعيد وتحدّد وزن مختلف القوى في منطقة المشرق العربي.

سلاح الفوضى وتصدير الخراب

بقطع النظر عن الخطط التي رُسمت والتي لازالت تُرسم من أجل تثبيت الأطماع الإمبراطورية السابقة  فإن التطورات الأخيرة والمتسارعة خاصة في الدول التي عرفت ثورات أسقطت رأس النظام الاستبدادي قد كشفت بشكل واضح وجلي عن تطور التقنيات المعتمدة في تفعيل التمدد الإمبراطوري العالمي على أرض العرب. كان الموقف من ثورات الحرية والكرامة التي اندلعت في الريف التونسي الفقير وامتدت إلى كامل المنطقة العربية كاشفا لما أحدثه هذا التغير المفاجئ في حركة الشارع العربي من اضطراب على الخطط القديمة للتوسع الاستعماري بيننا.

المتتبع لردود الأفعال الرسمية وغير الرسمية الصادرة عن القوى العالمية فيما يخص الانفجار الكبير الذي عرفه الشارع العربي خاصة من قِبل الذين راهنوا على موته وعلى نهاية “أسطورة الشارع العربي” كما صرحت بذلك وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة “مادلين اولبرايت” يكتشف أمرا على غاية الأهمية. فقد ميز الاضطراب ردود الأفعال الآنية التي ترجمها موقف وزيرة الدفاع الفرنسية “ميشال آليو ماري” وهي تتعهد بإرسال قوات فرنسية لإسناد الرئيس التونسي الذي كان يستعد للهرب .  ثم ما لبث الموقف الرسمي الدولي أن تغير نحو مزيد الحذر والانتظار وتتبع الموجة الثورية العاتية من أجل تشكيل رأي أقل حدة وانكشافا أمام الزخم الجماهيري الكبير وأمام شعارات الحرية التي ترفعها هذه القوى حتى تكاد تتحول لديها إلى عقيدة راسخة و علامة مسجلة وحصرية. موقف آخر أكثر انكشافا وهو الموقف الإيراني الذي وإن أغفل الثورة التونسية فقد وصف الثورة المصرية ليلة سقوط مبارك بالثورة الإسلامية الجديدة ثم ما لبث أن تنكر لهذا الاعتراف عندما وصلت حركة التغيير إلى ما يعتبره حديقة خلفية لنفوذه في المنطقة العربية ومعبرا نحو جسور تمدّده الأخرى في المشرق العربي وخاصة في لبنان والعراق وباقي الخلايا النائمة في المنطقة العربية.

مع الثورة السورية ودخول الإمبراطورية الفارسية على خط الثورات التي طرقت جوارها المباشر وهدّدت بإعادة توزيع مناطق النفوذ التي صنعتها إيران على أساس طائفي منذ أكثر من أربعة عقود عرف الربيع العربي وجهة جديدة تميزت  بدمويتها وبانتشار الفوضى والخراب بديلا مناقضا للسلمية التي ميزت حركة الجماهير. الفوضى التي تطورت في شكلها الدموي إلى جماعات مسلحة و”مجموعات إرهابية” صناعية وطبيعية عوّضت بسرعة حركة الشارع المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وتمكّنت من الاستحواذ على المشهد الراقي الذي كان خلال الموجة الأولى للثورات العربية خاصة في مصر وتونس. هكذا تمكنت القوى التوسعية والإمبراطورية الحاضرة في المنطقة العربية من استعادة زمام الحركة ففعّلت رغبة الدولة العميقة في العودة إلى السطح ومدتها بالمال والإعلام وكذلك بالسلاح والنفوذ من أجل استعادة المجال الذي اكتسحه الربيع العربي فجأة في غفلة من مراكز الاستشعار عن قرب وعن بعد.

آفاق الحل وتفعيل السيادة 

إذا كان من الممكن أن نفهم دوافع القوي الاستعمارية من الربيع العربي ومن التغيير الذي قد يعصف بمصالحها فإننا لا نفهم تواطؤ دول عربية كثيرة مع هذه القوى وتآمرها على رغبات الشعوب في الحرية والتغيير. اليوم ومع بلوغ التمدد الإمبراطوري قلب المنطقة العربية ممثلا في سيطرة “المليشيات الحوثية” المدعومة إيرانيا على العاصمة صنعاء وتهديدها الدول الخليجية علانية تجد الدول الداعمة للانقلابات نفسها ضحية حسابات خاطئة وقراءة كسيحة لعواقب الوقوف أمام إرادة الشعوب باعتبار هذه الإرادة الحارس الحقيقي لحدود الأمة ولأرضها أمام أطماع الغزاة.  اليوم تخوض الدول العربية حربا ما كان لها أن تخوضها لو امتلكت يوما ما الأدوات القادرة على استشعار الأخطار الحقيقية والوعي المدرك لاستحالة تأبد الاستبداد وأن النظام الرسمي العربي بالشكل الذي كان عليه خلال القرن الماضي لا يمكن أن يتواصل وأنه يحتاج إلى جراحة عميقة في عمق الأسس التي يرتكز عليها. الوقوف أمام التغيير اليوم وأمام أمواجه الهائلة سواء ما وصل منها وما هو في طريقه إلى الوصول هو تعريض حقيقي للأمن القومي العربي لأشد الأخطار التي قد لا تهدد دولة بعينها بقدر ما قد تصدّع أسس الوجود العربي نفسه وتهدد دعائمه.

ليس آمنُ للأمة ولوجودها من احترام قيمة الإنسان العربي ومن تحقيق قدر أدنى من العدالة الاجتماعية القادرة وحدها على تجفيف منابع العنف والتطرف واليأس خاصة لدى فئة الشباب وهي الفئة الأكثر هشاشة في النسيج الاجتماعي. إن احترام قيمة الإنسان وتفعيل مبدأ الحرية هو آخر أطواق النجاة القادر على طرد جحافل الغزاة عبر استنهاض إرادة الحياة في روح الأمة التي لازالت وستبقى “خير أمة أخرجت للناس”.

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

hyyyyyyyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyyy