16/09/23

التحالفات الجديدة حول المنطقة العربية

النسق الحثيث للأحداث والتحولات في العالم العربي اليوم والذي تسارعت وتيرته بشكل ملحوظ منذ اندلاع ثورات الربيع أثر بشكل كبير على خريطة التحالفات السياسية والإستراتيجية بين الكثير من المكونات والدول في المنطقة كما ساهم بشكل فعال في مراجعة التحالفات القديمة وفي استشراف التحولات القادمة. هاته التحالفات الثابتة والمتحولة لا تقتصر على الداخل العربي بقدر ما تهم المحيط الإقليمي المباشر للمنطقة ومجموع الدول والقوى التي تفرضها.

مبدأ التحالفات

التحالفات والتجمعات مبدأ أساسي من مبادئ السيادة الوطنية لأي دولة أو كيان سياسي لأن تحقيق شروط السيادة ومبادئ الحضور السيادي الاقتصادية والمالية والثقافية توجب تجاوز الكيان الواحد والنزوع نحو الوحدة والتجمع في أكثر من كيان بحسب شروط يحددها السياق التاريخي للمجتمع والدولة. فلا يقتصر مبدأ التحالف على الظرفية الخاصة المرتبطة بحالة السلم أو الحرب ـ وإن كان في حالة الحرب أوضح منه في حالة السلم ـ بل يتعداه إلى قدرته على تسهيل ظروف القابلية للديمومة والتواصل بالنسبة للدول والمجتمعات.

أشهر أنواع التحالفات وأكثرها فعالية اليوم هي التحالفات الاقتصادية والمالية مثل “مجموعة الثمانية” أو “منظمة الأوبك” أو “مجموعة البريكس” وغيرها من التجمعات الاقتصادية. التجمعات العسكرية كذلك لا تقل أهمية عن سابقتها مثل “حلف النيتو” أو “حلف وارسو” سابقا باعتبار قدرتها على التحقيق التوازنات الإستراتيجية والجيوسياسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

أما المنطقة العربية عرفت أشكالا كبيرة من التكتلات الإقليمية لعل أبرزها “مجلس دول التعاون الخليجي” أو “اتحاد المغرب العربي” وهي تكتلات يغلب عليها الطابع السياسي أو الاقتصادي. إلى جانب هذه التجمعات المعلنة عرفت المنطقة تكتلات أقل علنية أو بتعبير آخر أقل رسمية باعتبار الطابع الإيديولوجي أو المذهبي أو السياسي للسلطة الحاكمة في الدولة.

الثابت هو أن هذا المبدأ قار في منطق العلاقات الدولية بل هو يرتقي إلى مطاف الحتمية التاريخية التي لا يمكن بدونها للدولة أن تحقق شروطها السيادية وتضمن السلم الاجتماعي للأجيال المتعاقبة. التحالف إذن ليس خيارا بل ضرورة يفرضها منطق وجود الدولة نفسها.

معطيات أساسية

كثيرة هي المعطيات والخصائص المتعلقة بمسألة التحالف وشروطه ومخاطره لكن يمكن رصد المعطيات التالية فيما يخص الوضعية العربية بشكل عام.

أول هذه المعطيات وأهمها على الإطلاق هو أن المنطقة العربية أو الدول العربية لا تتحالف بمنطق ” الدولة ـ الأمة ” كما هو الحال بالنسبة لتركيا مثلا أو إيران أو فرنسا  بل هي تجمع لدول إقليمية لم تنجح في تحقيق أي شكل فعال من أشكال الوحدة الاقتصادية أو النقدية أو السياسية الحقيقية. فبقطع النظر عن أشكال الوحدة المجهضة في التاريخ الحديث للدولة العربية كتجربة الوحدة السورية المصرية أو الوحدة التونسية الليبية تبقى الدولة العربية دولة إقليمية بامتياز وهو حسب نظرنا الحاجز الأساسي أمام تحقيق أي شكل فعال من أشكال التكتل مع الخارج أو حتى في الداخل. خذ مثلا الشكل التحالفي الأنجع إلى حد الآن وهو مجلس دول التعاون الخليجي الذي يكاد يقتصر على شكل سياسي معين من ناحية وعلى دول غنية في أغلبها من ناحية أخرى فرغم هذا التجانس الكبير بين مكونات دول المجلس فإنه يواجه صعوبات كثيرة تجلت في مختلف المواقف المتباينة من إشكاليات حارقة كملف الوحدة النقدية أو الملف اليمني أو الملف الإيراني أو غيره من الملفات.

المعطى الثاني الأساسي في تحديد شروط التحالف العربية هو توفر كل الشروط التاريخية والحضارية واللسانية والجغرافية من أجل تحقيق تكتل عربي حقيقي قادر على فرض شروط سيادية أمام التحالفات الدولية. لا نقصد بهذا التصور طرح مسألة الوحدة العربية كما نظر لها الفكر الإيديولوجي العربي وخاصة المدارس القومية طيلة قرن من الزمان لتنكشف الفكرة عن توظيف إيديولوجي يخفي أحد أشرس الأنظمة القمعية مثلما هو الحال في ليبيا ومصر وسوريا. الطرح هنا يتعلق بتحقيق أية صيغة عربية قادرة على الصمود في وجه المخاطر الخارجية التي وصلت بعد الربيع إلى قلب المنطقة العربية وأصبحت تهدد الوجود نفسه للأمة وللكيانات الإقليمية التي تعبر عنها. هذه الصيغة المطلوبة يمكن أن تستلهم من الصيغ الدولية الأخرى كالاتحاد الأوروبي أو غيره من التكتلات خاصة وأن المنطقة تحتوي على أعلى شروط القابلية للتجمع والتوحد على مستوى المجموعات والشعوب.

منطق التحالف

بعد ثورات الربيع العربي الأخيرة انكشف المشهد الإقليمي على مجموعة من المسلمات المنطقية التي لا يمكن للفاعل السياسي أو للمحلل المستقل أن يغفلها عند قراءة المشهد العربي في شكله العام أو في علاقته بمجموع القوى غير العربية في المنطقة.

لعل أهم هذه المسلمات هي هشاشة النظام الإقليمي العربي على الأقل في شكله الجمهوري أو الجماهيري وهي مسلمة أثبتتها الوقائع الأخيرة بشكل لا يقبل الدحض. أثبتت الوقائع أيضا أن الأنظمة الإيديولوجية هي أخطر الأنظمة على مستوى تعاملها مع المطالب الاجتماعية أو السياسية مثل تثبت ذلك المقارنة بين كيفية سقوط نظام بن علي في تونس وسقوط نظام القذافي أو النظام السوري مثلا.

من أخطر المعطيات كذلك هو تصدع التحالفات السياسية العربي ـ العربية لصالح التحالفات المذهبية أو الطائفية مثلما أثبتت ذلك الثورة السورية حيث تجاوز العامل الطائفي والمذهبي المعطى القومي بشكل واضح.

هذا المعطى كشف حجم الاختراق الكبير الذي حققته التحالفات العربي الخارجية على حساب القضية الوطنية العربية من جهة التوظيف المذهبي الخطير للمطالب السيادية. فالتصريحات الإيرانية الأخيرة حول القضايا العربية تكشف أن المنتصر الوحيد تقريبا منذ “الثورة الخمينية” في مطلع الثمانينات من  القرن الماضي على الأرض العربية هو اللاعب الإيراني باعتباره المستثمر الأساسي في الدماء العربية وفي قضايا الشعوب العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

المشكل الثابت الآخر هو أن القوى الإمبراطورية الإقليمية مثل إيران تحولت إلى حليف داخلي لقوى إمبراطورية دولية مثل الولايات المتحدة الأمريكية أو الاتحاد الأوروبي أو إسرائيل على حساب المصالح العربية بل وعلى حساب وجود بعض الدول العربية الكبرى مثل العراق أو الصغرى مثل اليمن ولبنان التي تحولت إلى محميات إيرانية مباشرة.

اتجاه التحالفات

صحيح أن المشهد الأخير المحكوم  بفعل التغيرات الكثيرة المتسارعة في المنطقة وخاصة مسألتي الانقلابات الدموية التي أعقبت ثورات الحرية والكرامة العربية سيبقى فاعلا على المستوى القريب. فالتطبيع الدولي للمشهد القائم وتبييض المجازر التي ارتكبت في حق العزل من المتظاهرين ومن الأطفال والنساء في طعن صريح وعلني لكل المعاهدات والمواثيق الدولية إنما يمثل الموقف الرسمي الدولي من مسألة التغيير ومن مسألة الحرية العربية.

أي أن القوى الدولية بترسانتها القانونية والحقوقية وجيوش المؤسسات التي تتبعها لا ترى حرجا في انقلابات دامية تعلن على الهواء مباشرة ولا ترى ضررا كبيرا في استعمال الأسلحة الكيمائية ضد المدنيين مادامت كل الجرائم في نهاية المطاف إنما تصب في مصلحة القوى الاستعمارية وعلى رأسها إسرائيل باعتبارها المستفيد الرئيسي الآخر بعد إيران من كل المصائب العربية. المصالح الاقتصادية والأهداف التوسعية الاستعمارية هي في نهاية المطاف الإطار الحقيقي الذي تتحرك داخله أهم التحالفات والتكتلات والمواقف الرسمية الدولية أو الإقليمية.

من جهة مقابلة لم تنجح القوى العربية في الاستفادة من خارطة الفرص المتاحة إقليمية من أجل الحد من النزيف الكبير الذي تعرفه المنطقة على المستوى السيادي بعد سقوط أعمدة كبيره في الخارطة العربية مثل العراق ومصر وسوريا سواء بفعل الاستبداد أو بفعل التدخل الاستعماري المباشر أو بفعل الاختراق الطائفي والمذهبي.

تركيا مثلا تمثل قوة ذات وزن استراتيجي واقتصادي وعسكري كبير لكنها لم تتمكن من الحصول على القدر الكافي من التوازن العربي على مستوى المواقف رغم ما تمثله هذه الدولة من فرصة جوهرية في إعادة تشكيل خارطة التحالفات وتحديد أوزانها في المنطقة العربية وجوارها الإقليمي.

الأكيد الثابت اليوم هو أن الحل لا يمكن أن يكون إلا عربيا عربيا مهما اختلفت الرؤى والاتجاهات وليس الربيع الأخير إلا فرصة تاريخية من أجل بناء وعي سياسي جديد قادر على إنقاذ الوجود العربي نفسه مما يتهدده من المخاطر والمؤامرات.

فلن تستطيع أية دولة عربية مهما كان وزنها النجاة بمفردها مما يحاك للأمة من خطط ومما يبرم على جسد أبنائها من اتفاقيات وصفقات هي الأخطر في تاريخها الحديث والقديم.

اليوم توضع الأمة أمام خيارات مصيرية تستهدف للمرة الأولى الشعوب والحكام معا ولا تستثني أحدا وهو ما أثبتته ثورات الربيع الأخيرة التي يمكن ببعض التضحيات الضرورية أن تتحول إلى نقطة انطلاق تاريخية نحو وضع الأسس التي ستقوم عليها مرحلة استعادة العرب لدورهم الحضاري على أرضهم والقطع مع تقاليد التخلف و الاستبداد والقمع وإهانة الإنسان ودوس كرامته.

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

hyyyyyyyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyyy