من العسير حصر النتائج الكبيرة التي أفرزها الربيع العربي منذ بدايته في مهده تونس إلى اليوم بل يمكن القول أن المراقبين متجهون اليوم نحو قراءة الفروع التي نسلت عنه باعتبارها مواضيع ومعطيات موجودة بنفسها ومستقلة بكيانهاوأنها ليست في أصل نشأتها ناتجة مباشرة عن هذا الحدث العظيم الذي عرفه الريف التونسي الفقير. في المقابل يمكن تصنيف النتائج بمستوياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحضارية عامة إلى مجموعات قادرة على وضع بعض النظام في الفوضى الكبيرة التي تظهر على السطح والتي توحي بانعدام القوانين المنظمة لحركة التاريخ والمجتمع باعتبار ما حدث رجة كبيرة واهتزازا ضخما في حركة التاريخ العربي المعاصر. ثنائية الثابت والمتحول ثنائية قادرة على وضع بعض النظام في النتائج الكبيرة والكثيرة التي عرفتها المنطقة ولا تزال وهي ثنائية ترصد قيمة التداعيات الفاعلة اليوم في مختلف الدول التي شملتها الثورات العربية وحتى تلك التي لم تشملها  باعتبار وحدة المصير العربي المشترك. النتائج الثابتة هي تلك التي لن يشملها الإلغاء مستقبلا فهي ثابتة بمعنى أنها تبقى فاعلة على الأرض وتتحول من معطيات هندسية وكمية إلى معطيات وظيفية منتجة بدورها.

سقوط جدار الخوف وانهياره في المنطقة العربية مثلا هو واحد من أهم المكاسب الثابتة للثورات العربية لأنه مكسب غير قابل للإلغاء أو النقض بل تحول في مرحلة جديدة إلى عنصر وظيفي فاعل حيث انتقل من تونس إلى مصر فليبيا وهو لا يزال يقاوم في سوريا. حاجز الخوف النفسي هو في ترجمته الحقيقية ” الرعب الذي تمارسه الدولة البوليسية القمعية على العزل والأبرياء من أبنائها” عن طريق القمع والتعذيب والإرهاب الحقيقي بالسجن والتصفية وكل أنواع التنكيل التي ثارت ضدها الجماهير العربية. نجحت الدولة الأمنية في التأسيس لنفسها لا عن طريق العدالة الاجتماعية والتكافؤ بين الفرص وضمان الحرية بل عن طريق الاستبداد وتكميم الأفواه وقمع الأصوات المعارضة وشراء النخب القابلة للبيع وصنع أحزاب صورية تستطيع بواسطتها أن تجمل وجهها القبيح. حاجز الخوف هذا تسميه الدولة الاستبدادية عبر أبواقها الإعلامية ” هيبة الدولة ” فكلمة الهيبة تستدعي كامل المجال الاصطلاحي لمعنى ” الخوف” وتفرعاته. يقول المعجم ” “لا يَهَابُ أَحَداً : لاَيَحْذَرُ ، لاَيَتَّقِي ، لاَيَخَافُ أَحَداً ” و ” هَابَ الرَّاعِي بِغَنَمِهِ : صَاحَ بِهَا لِتَقِفَ ” و  “هاب الطَّالبُ أستاذَه قدَّسه ، عظَّمه ووقَّره وأجَلّه ونقول ” هاب الأتقياءُ ربَّهم “.

كلمة ” الهيبة ” هي الأكثر تواترا في خطاب الثورة المضادة خاصة في تونس ومصر وهي استعادة ذكية لكلمة ” الخوف ” التي كانت تميز علاقة النظام الاستبدادي العربي بالشعب وبالمواطنين الأقرب في منظوره إلى فصيلة الرعايا منهم إلى درجة المواطن الحر والمسئول”. الخوف من عصا النظام ومن زنزانات التعذيب هي التي يعنيها مصطلح الهيبة وهي تستدعي معنى الخضوع والخنوع والقبول بالأمر الواقع وعدم بالمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية وبالتشغيل وبالحق في الوطن وثرواته وهي الشعارات التي رفعتها الجماهير العربية في الساحات والميادين. ” هيبة الدولة ” حق نسبي أريد به باطل مطلق لأنها مطلب مشروع في الدولة الديمقراطية التي تحترم شعوبها أو في الدولة العادلة التي لا تقوم على الترهيب والترويع لكنها لا تُبنى في الدولة الاستبدادية خارج منطق القمع وهو الدور الذي أتقنه النظام الاستبدادي العربي خلال ما يزيد عن نصف قرن من الزمان.

خُذ المنوال الانقلابي المصري مثلا وهو يؤسس لدورة استبدادية جديدة بعد سقوط نظام مبارك فقد كانت مشاهد الحرق والقتل التي شهدها ميدان رابعة هي الأساس التي وضع عليه نظام العسكر هناك “هيبة الدولة الجديدة”.  في تونس شهدت الاحتجاجات الجديدة مؤخرا في شارع الثورة قمعا أمنيا غير مسبوق واستعادت ذاكرة التونسيين صور ” بوليس بن علي ” وهو يقنص الشهداء في الميادين والساحات ويجر المتظاهرين في الشوارع والأزقة. لن نتحدث هنا عن المنوال السوري فقد تجاوز النظام هناك كل الخطوط الحمراء في القتل والتدمير والخراب فلا مجال للحديث عن الدولة فضلا عن هيبتها.

اليوم وبعد ثورات عربية دامية  ـ قدمت فيها الشعوب العربية آلاف الشهداء من خيرة أبنائها ولا تزال ـ تسعى المنظومات الانقلابية إلى إحياء حاجز الخوف الجديد عبر التأسيس لهيبة مزيفة. لكن من ناحية أخرى جددت الدولة العميقة وسائلها وتقنياتها في إعادة ترميم جدار الخوف وذلك عبر توفير روافد جديدة للخوف وعلى رأسها رافدان.

أما الأول فيتمثل في إحياء ” نظرية المؤامرة ” من رماد وذلك بالدفع دفعا عبر أبواق الإعلام الانقلابي وصحفه الصفراء إلى اللعب على وتر المخططات الأخطبوطية التي تستهدف سلامة الوطن وتهدد كيانه وكيان الرئيس المنقذ حامي الوطن والديار. وهي تقنية تسعى الدولة العميقة عبرها إلى صنع عدو خارجي وهمي وغامض مثلما هو حال كل النظم الاستبدادية عندما تكون في مأزق لأن الهدف منها هو تأجيل الأزمات الداخلية وخلق التفاف ضروري حول الزعيم القائد وتخوين كل القوى الرافضة لذلك واتهامها بأنها جزء من المؤامرة. أما الرافد الثاني فهو رافد ” الإرهاب ” الذي علقت عليه الأنظمة الاستبدادية العربية كل فشلها واستثمرته بشكل كبير جدا ولا تزال تفعل ذلك إلى اليوم حيث تحولت “الحرب الأمريكية على الإرهاب” إلى مهمة أساسية للنظام القمعي العربي من أجل تأبيد الاستبداد. فكل التجاوزات وكل ممارسات الدولة الأمنية إنما تغطيها شماعة الإرهاب الذي هو في حقيقة نشأته جزء من الدولة الاستبدادية نفسها لأنها خلقت كل الظروف الملائمة للتطرف والعنف بقطع النظر عن الإرهاب الصناعي الذي تديره الدولة القمعية نفسها.

الثابت اليوم هو أن الجماهير العربية قد تحررت نهائيا من عقدة الخوف التي رسخها النظام القمعي وأنها لن تعود إلى حظيرة الطاعة بل ستؤسس بتضحيات أبنائها مجتمعَ العدالة والحرية كما فعلت كل الأمم الأخرى في التاريخ الحديث كما سترسم علاقة جديدة بين السلطة والشعب قوامها القانون والاحترام والمسؤولية وشعارها السيادة للشعب أولا.

0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *