يكشف المشهد المصري اليوم خاصية تاريخية تتعلق بطبيعة الممارسة السياسية في هرم السلطة. تتمثل هذه الخاصية في تشنج ردود أفعال النظام السياسي ومسارعته إلى تصفية خصومه السياسيين وإخراجهم من المشهد بكل الطرق والوسائل المتاحة. فليس اعتقال رئيس « حزب مصر القوية » ومن قبله المرشحين العسكريين للانتخابات الرئاسية المصرية إلا مؤشرا إضافيا على سعي قيادة الانقلاب إلى الإطاحة بكل القوى القادرة على تهديد البناء من الداخل.

بناء عليه فإن الخلل الذي يصيب الثورات لحظة نشأتها يصيب الثورات المضادة أيضا لحظة تتطورها. فالقول بأن  » الثورات تأكل أبناءها  » ينسحب منطقيا على الثورات المضادة والانقلابات وهو ما يسمح بالإقرار التالي :  » إن الثورات المضادة تأكل أبناءها مثل الثورات « . يتجاوز هذا المبدأ المجال المصري لينسحب على كامل المجال العربي عامة بل وعلى مختلف التجارب السياسية في العالم ليشكل مدخلا لقراءة طبيعة التحولات السياسية في المنطقة كما يساعد على تبين مراحل تطوراتها المستقبلية واستقراء تفريعاتها.

الثورة تأكل أبناءها

المبدأ شائع في الأدبيات الثورية العالمية وهو يصوّر حالة الصراع والتناحر التي تغلب على القوى الثورية أثناء الثورات أو بعدها فتتقاتل ليستتب الأمر إلى فريق دون آخر ولقائد دون آخرين. عبّرت هذه المقولة الخالدة عمّا اعترى الثورة الفرنسية وعمّا حدث بين أبنائها من تقاتل وتناحر وما أعقبها من مجازر وجرائم أودت بالمنجز الثوري في حينه ومكنت من عودة النظام القديم.

تظهر علوية هذا المبدأ في أنه ينسحب على تجارب ثورية عديدة فبعد انتصار الثورة البلشفية و إثر وفاة القائد المؤسس « فلاديمير لينين » قام « جوزيف ستالين » بتتبع الرفيق « ليون تروتسكي » إلى المكسيك وقام بتصفيته في شهر أغسطس من سنة 1940. عربيا شهدت الانقلابات التي عرفتها الأقطار العربية خلال فترة الخمسينات من القرن الماضي وخلال تأسيس ما اصطلح عليه  » الدولة الوطنية  » تصفيات وإعدامات وعمليات قتل تدخل جميعها تحت مبدأ « الثورة تأكل أبناءها ». ففي مصر والعراق وليبيا وسوريا وتونس والجزائر … قامت القوى الانقلابية أو الثورية بغربلة بعضها البعض من أجل أن يستتب الأمر لواحد دون الآخرين.

في مصر مثلا تخلص « عبد الناصر » من « محمد نجيب » ومجموعته وفي الجزائر تمت تصفية مجموعات ثورية كثيرة ليستتب الأمر « لهواري بومدين » أما في العراق وسوريا فبعد سلسلة انقلابات نجح « صدام حسين » و »حافظ الأسد » في الاستحواذ على السلطة وتصفية كل المجموعات المعارضة.

الثورات المضادة والانقلابات

في مواجهة ثورات الربيع التي ضربت أسس النظام الاستبدادي تأسست الثورات المضادة التي نجحت إلى حد كبير في تعطيل المدّ الثوري والحدّ منه. تتباين نسب النجاح من قطر إلى آخر في تحقيق الانقلاب على المنجز الثوري وهي نسب تتوزع على سلم تقع الثورة المصرية أعلاه وتتنزّل أسفله الثورة التونسية بما هي أصلب النماذج صمودا في وجه الثورة المضادة.

في مصر حققت الثورة المضادة بقيادة المؤسسة العسكرية نجاحا كبيرا في الإطاحة بالتجربة الثورية بشكل كامل.  أي أن الثورة المضادة تمكنت من إخراج قوى الثورة جميعها من المشهد بل وزجت بها في السجون والمعتقلات والمنافي مستعيدة بذلك كامل المجال الذي كان يؤثثه النظام الاستبدادي.

لكن لابد من الإشارة هنا إلى أن هذا النجاح لا يشمل مجال الوعي أو المجال الفكري غير الملموس أي أن نجاح الثورة المضادة في مصر و تمكنها من إعادة العسكر إلى حكم مصر إنما يقتصر على مجال الواقع السياسي والاجتماعي ولا يشمل مجال الأفكار والوعي والبنى النظرية المصاحبة له.

ففي تونس التي تمثل أقل نماذج النجاح تمثيلا لم يتيسر استنساخ المنوال المصري رغم كل محاولات قوى الدولة العميقة ورغم كل المال التي ضخته دولة الإمارات خاصة من أجل الإجهاز على التجربة التونسية. لكن رغم ذلك فإن الصراع لا يزال قائما بين قوى الثورة وقوى الثورة المضادة بعد أن فشلت جلّ المحاولات في الإطاحة بالمنجز وتخريب المرحلة الانتقالية.

أما المنولان السوري والليبي فرغم تباينهما النسبي فإنهما يشتركان في خاصية التسلّح التي غلبت على سلوك الثورات المضادة وقد نجحت في تحويل التجربتين من مطالبة سلمية بالحرية والانعتاق إلى تجارب مسلحة.

الانقلابات تأكل أبناءها

إن ما يلفت الانتباه اليوم هو أن الانقلابات تعيد إنتاج خصائص الفعل الثوري نفسه وهو ما يسمح بالإقرار بأن التآكل الداخلي سمة مميزة لكل أنواع التحولات الاجتماعية والسياسية. تتأتى صلابة هذا الإقرار من تطورات المشهد المصري الناشئة ومن إفرازات مسارها الانقلابي. فالتأكل والتفتت والتصدع خطر يهدد كل التجارب الثورية سواء تعلق الأمر بالثورة أو بالثورة المضادة بما هي فعل سياسي واجتماعي بالدرجة الأولى.

في مصر يسعى الجنرال الانقلابي هناك إلى الإطاحة بكل أنواع التهديد التي يمكنها أن تعطل استعادته للسلطة بشكل كامل ونهائي أو تلك التي يمكنها أن تعيق سيطرته المطلقة على كل مفاصل الدولة. لا يتأتى هذا الهدف بما هو أسمى أهداف الانقلابات بدون عمليات قسرية تستعمل فيها الآلياتُ الانقلابية كلَّ أنواع القمع والإكراه بشكل يصل إلى جرائم القتل والاغتيالات والتصفيات الجسدية.

لكن خطورة هذا الفعل هو أنه يشكل انقلابا داخل الانقلاب أو انقلابا على الانقلاب. جوهر الخطر هو أن الانقلاب يحدث على المنجز الانقلابي بنفس الوسائل الانقلابية وبنفس المنطق الانقلابي.

فالشيطنة الإعلامية التي تصاحب الاعتقالات الأخيرة في مصر مثلا كالاتهام بالخيانة والأخونة والتطرف ودعم الإرهاب إنما تشكل نفس الآليات التي استعملت في الانقلاب البدئي الذي أطاح بالرئيس المنتخب ديمقراطيا صيفَ 2013.

أما في تونس فإن معسكر الثورة المضادة يشهد احتداما متواصلا لتناحر القوى الانقلابية وذلك منذ انتخابات 2011. فبعد تشقق الطيف الحاكم القديم في أشكال حزبية وقوى سياسية مختلفة أصاب التشرذم القوى المنقسمة نفسها فحزب « نداء تونس » مثلا الذي يعتبر الممثل الحقيقي للدولة العميقة الرسمية قد انقسم في أكثر من مناسبة سواء في واجهته السياسية أو في تمثيله البرلماني أو في أذرعه المالية.

بل إن قوى أخرى محسوبة على الدولة العميقة ـ التي لا تقتصر فقط على الحزب الحاكم القديم ـ عرفت هي أخرى تصدعات كبيرة مثل الأحزاب الدستورية واليسارية خاصة. لكن رغم الطابع الانتهازي لهذه الأحزاب التي لا يتجاوز عدد منخرطيها أحيانا أصابع اليد الواحدة فإن القوى الخارجية التي صنعتها وموّلتها في أحيان كثيرة ـ مثلما تظهره التحقيقات الأخيرة ـ لم تنجح في السيطرة المطلقة عليها.

فأحد الأحزاب المموّل اماراتيا وهو الحزب المنشق عن حزب نداء تونس لم ينجح في تحقيق المطلوب منه خارجيا بتحقيق انقلاب على المنجز الثوري وضرب المسار الانتقالي بل تحول في مناسبات كثيرة إلى خصم عنيد للحزب الحاكم رغم أنهما ينتميان إلى نفس بنية الدولة العميقة.

الحرية ترياق الانقلابات

يمثل مطلب الحرية سقف المشاريع الثورية وهو يشكل كذلك الركيزة الأساسية للمشروع الثوري بما هو مطلب تحرّري ينشد الانعتاق والخروج من سلاسل الاستعمار والاستبداد. بناء عليه فإن أعلى المطالب الانقلابية هو منع مبدأ الحرية من التشكل واقعا لأنه نقيض المطلب الثوري كما يظهر ذلك في المنطقة العربية اليوم.

إن طبيعة تطور كل انقلاب بعد أن يطيح بالنظام القائم ـ ثوريا كان أم غير ثوري ـ هو أن ينقلب رأس الانقلاب على المجموعة الانقلابية التي أوصلته إلى السلطة فيما يسمى في الأدبيات السياسية  » حرب الأنداد  » أو « الحركة التصحيحية » حسب المعجم البعثي في سوريا. هذا الصراع يكون أساسا بين أطراف من نفس النسق السياسي أو العسكري أو الأمني وعادة ما تساعدهم قوى خارجية هي التي تختار الرأس الانقلابي الجديد عادة.

في هذه اللحظة يقوم المشروع الانقلابي بتصفية نفسه من الداخل أي تنقية بنائه السياسي والأمني وهي مرحلة ضرورية وهامة لأنها تحسم الصراع داخل بينة النظام الجديد وتمهد لمرحلة طويلة وقاسية من الحكم الاستبدادي بعد رسوخ قدم النظام الناشئ.

تأسيسا على ذلك فإن حضور قوى المعارضة الحقيقية أو القوى الثورية في هذا المشهد إنما يمثل خطأ ثوريا جسيما. إن حضور الفواعل الثورية في مشهد انقلابي داخلي لا يسمح إلا بتوفير حظوظ أنشط لنجاح الفعل الانقلابي.

تتفق قوى الثورة المضادة في كل مجال الربيع العربي اليوم على وصم القوى الثورية بنفس الأوصاف : كالإرهاب والأخونة والتطرف وبيع البلاد للأجنبي والارتهان للقوى الخارجية وهي نفس لائحة الاتهامات التي تتعاود في كل الخطابات الانقلابية مهما تغيرت صيغتها وتباينت. مبحث الانقلاب هنا هو الحصول على عدو داخلي يسمح له بتأسيس خطابه الذي يتلبس بلباس الانقاذ  والخلاص على أنقاض المقولات الثورية.

إن حضور الإخوان مثلا في المشهد المصري اليوم إنما يقدم خدمة جليلة لخطاب دولة العسكر العميقة بل يساعد على شحنه من جديد ودليل ذلك سعي الخطاب الانقلابي نفسه إلى استدعاء صورة الإخوان في كل المنابر وفي كل التهم التي يوجهها إلى خصومه الذين هم حلفاء الأمس وأعوانه مثل الفريق « سامي عنان » أو المرشح « أبو الفتوح ».

بناء عليه فإذا كان الهيكل الانقلابي محتاجا في وجوده إلى شيطنة المعارضة الحقيقية فإنه يجب على القوى الثورية أن تخرج من الصراع الانقلابي الداخلي وأن لا تكون طرفا فيه لأن غيابها يساعد على التسريع بتصدع البناء الانقلابي من الداخل.

في السنوات التسعين عندما دشن  » بن علي » انقلابه الطبي على العجوز بورقيبة كان يحتاج إلى كبش فداء لترسيخ قدمه الانقلابية وذلك بتصفية الحرس القديم التابع لنظام بورقيبة. هذا الكبش وفرّه له الإسلاميون عندما دخلوا في صدام مع السلطة انتهى بتصفيتهم وبدخول تونس حقبة استبدادية دامت ما يقارب ربع قرن من الزمان.

يحمل كل برنامج انقلابي شروط فنائه في داخله وهي شروط تنمو وتتطور وتتفاعل بشكل طبيعي لتنتهي عند سقوط الانقلاب جملة. إن أفضل ما يمكن فعله في هذا المسار من أجل التعجيل بتفاعل شروط سقوط البناء داخليا هو الامتناع عن مواجهته بشكل رأسي أو مباشر بشكل قد ينتج عنه تحفيز شروط البقاء عنده مما سيدفعه حتما إلى تجديد خلاياه والانبعاث من جديد.

محمد هنيد

0

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *