16/09/23

السلوك الوظيفي ومنطق الأقلية

لسائل أن يسأل كيف تستطيع القلّة القليلة في كثير من الحالات أن تنشئ وتحقق ما تعجز عنه الكثرة الكثيرة في عديد من السياقات وهي وضعيات لا تقتصر على البعد الثقافي والاجتماعي بل تتعدها إلى البعد السياسي والفردي عامة. في المقابل وفي نفس الوضعية لا تحقق الكثرة عدديا وهندسيا الانجازات والنجاحات التي تحققها الأقليات وهو استنتاج يميز في نظرنا مجموع النتائج والحقائق التي تمخض عنها الربيع العربي ومجموع الثورات المرتبطة به.

الحوثيون مثلا في اليمن لا يمثلون أكثرية عددية ولكنهم نجحوا مؤخرا في اختطاف البلد وفي الذهاب به نحو حرب أهلية لا تزال أصداؤها تتردد في منطقة الخليج العربي. في سوريا التي لا تزال ثورتها الدامية متواصلة تسيطر الطائفة العلوية على المشهد السياسي والعسكري والاقتصادي ونجحت منذ انقلاب حافظ الأسد الذي سماه الحركة التصحيحية في اختصار الدولة في الطائفة. في لبنان أيضا يمثل حزب الله الشيعي قوة ضاربة داخل لبنان في حين لا يمثل هذا المكون السياسي الطائفي أغلبية عددية بلبنان. أما على المستوى الإقليمي فأبرز النماذج على منطق الأقلية وكيفية اشتغاله فإسرائيل تمثل مثالا متقدما على قدرتها الكبيرة على السيطرة والنفوذ والتوسع في منطقة ومحيط تمثل داخله أقلية الأقليات. عقائديا أيضا لا تمثل إيران أو شيعة إيران إلا أقلية مقارنة بالامتداد السني في منطقة المشرق العربي لكنها نجت رغم نسبيتها العددية في التوسع والتمدد والاختراق بشكل كبير كشفه خاصة الانفجار الكبير الذي عرفته المنطقة العربية منذ اندلاع الثورة التونسية في أواخر سنة 2010.

ما هي الأسباب التي تسمح لهذه المكونات الجزئية بالتمدد والانتشار وتجاوز المكون الكلي والتحكم فيه ؟ وهو في بعض الأحيان تحكم يعطل التناغم الداخلي للمكونات ويتسبب في تقاطعات واختلالات وصدامات لا زلنا نشهد نتائجها الكارثية كل يوم على الشاشات والمواقع وفي أكثر من بلد عربي.  قد تبدو الأسباب عديدة ومتداخلة لكن دراسة الظاهرة تمكّن من ملاحظة عوامل أساسية قادرة على مقاربة القدرة الوظيفية للجزء في ظروف تاريخية وسياقات اجتماعية خاصة. فمن بين أبرز الأسباب المفسرة لهذا التمكن هو شعور الأقليات ووعيها الدائم بأنها مهددة وبأن وجودها في خطر. وهو ما يفسر انطواء الأقليات ونزوعها نحو التوقع عادة والعمل في أطر مغلقة وفضاءات خاصة كما يلاحظ مثلا في حالات كثيرة.

 فالأقلية اليهودية داخل الدول العربية مثلا أو حتى خارجها تتحرك دائما في إطار الجالية المغلقة عن الجاليات الأخرى ولا تتواصل معها إلا بالقدر الأدنى وهو سلوك حافظت عليه الصهيونية عند احتلالها لفلسطين عندما مارست نفس السلوك مع المحيط الذي زرعت فيه. الحركة الصهيونية كانت واعية تاريخية بحجم الدمار الذي لحق اليهود عبر التاريخ فكان منسوب الخوف والعداء للخارج مرتفعا عندها مقارنة بالأقليات الأخرى وخاصة الأقليات غير القومية. هذا الشعور هو الذي حتم عليها البحث دائما عن أسباب البقاء والتمكن الذي قد يفسر في جزء كبير منه ميلَ الأقلية اليهودية إلى العمل في مجالات اقتصادية خاصة والتمدد في المجالات المالية و المصرفية وتفضيل التجارة المربحة في المعادن الثمينة على العمل في القطاعات الأخرى من أجل الأخذ بأسباب القوة.  ورغم الخصوصية التي تميز حالة الأقلية اليهودية فإن بقية المجموعات تسلك نفس السلوك في علاقتها بمحيطها المباشر وغير المباشر.

لكن في الحالة العربية يتميز تمدد الأقليات بعنصر آخر أساسي ويتمثل في ضعف الأغلبية أي أن تمرد الجزء إنما يعود في جزء منه إلى فقدان الكلّ للقوة القادرة على تمكينه من السيطرة على الأجزاء المكونة له. تمدد الأقليات واستقوائها إنما يعود إلى ضعف الأغلبية وهو أمر متواتر الحدوث تاريخيا حيث تنزع الأجزاء وخاصة الأطراف إلى الاستقلال والتمرد عن المركز كلما كان المركز ضعيفا كما هو الحال عند انهيار الإمبراطورية العثمانية مثلا أو انهيار الاتحاد السوفيتي أيضا.

لا أحد يستطيع أن ينكر أن المنطقة العربية كانت إلى حدود الربيع العربي والانفجار الكبير الذي حدث في تونس تعدّ منطقة في حالة موت سريري تقريبا بسبب العجز الذي ضربها بفعل الاستبداد والقمع الذي مارسته الأنظمة الجمهورية القمعية. هذا الضعف الكبير الذي ورثته المنطقة منذ القرن السابع عشر تجلّى في سيطرة الإمبراطوريات الاستعمارية المختلفة على الأرض العربية والانتهاء باقتطاع أجزاء من جسد الأمة مثلما هو الحال في فلسطين وفي مناطق أخرى كثيرة. وهو عجز يظهر كذلك في موت المؤسسات الرسمية العربية مثل جامعة الدول العربية وغيرها من المؤسسات التي لا تمثل غير واجهة رسمية للإيهام بالفعل والقدرة على الفعل.

لقد كان الربيع العربي ـ  رغم كل الزيف والشيطنة والاتهامات التي يسعى أعداؤه لاتهامه زورا بها ـ الجحر الكبير الذي حرك المياه العربية الراكدة وكشف بجلاء حجم الضعف والوهن الذي بلغته الأمة كما عرّى السلوك العدواني لبعض الأقليات الموظفة خارجية من أجل مخططات تتجاوزها وتتجاوز وجودها كما هو حال حزب الله في لبنان والحركة الحوثية في اليمن والأقلية العلوية في سوريا بل كما هو حال الأقلية اليهودية في فلسطين والتي وضعت من أجل أهداف استعمارية أكبر بكثير من المشروع الصهيوني نفسه. فعلُ الربيع هذا هو الذي سيحرك عند الأغلبية الوعي بالخطر وإدراك حجم الزيف ومن ثم البدء في تدشين الحركة التصاعدية التي ستعيد توازن العلاقة الطبيعية بين الكل والأجزاء الذي تنتمي إليه.

إعداد : مركز قصد /  فريق المقالات
التاريخ : 23 /09 / 2016

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

hyyyyyyyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyyy