Blog

18/03/18

النفوذ والنفوذ المضاد في الخليج

لا شك أن مسألة النفوذ والنفوذ المضاد تشكل عصب الأزمة في الخليج العربي الكبير. بل إن كل التجليات التي نراها اليوم على النطاق المحلي وكذلك على النطاقين الإقليمي والدولي إنما تشكل امتدادا لهذه النزعة التي تهيمن على الكثير من القوى الإقليمية والدولية في المنطقة. هكذا تطرح الأزمة الخليجية بتشعبها وتشعب أطوارها وجها من وجوه النفوذ والنفوذ المضاد بين أطراف الأزمة التي اندلعت في فصلها الأخير بسبب اختراق وكالة الأنباء القطرية.

النفوذ ليس جديدا لكنه يتجدد بأوجه مستحدثة من خلال القوى الصاعدة بعد انكفاء الموجة الأولى للثورات العربية التي انتهت بالانقلاب الدامي في مصر وبالمذابح المفتوحة في سوريا واليمن وليبيا. هذا الانكفاء لم يكن له أن يكون دون الدعم الكبير لدول خليجية بعينها رأت في ثورات الربيع العربي خطرا عليها وعلى عروشها.

بناء عليه فإن النفوذ والنفوذ المضاد يتحدد هنا بمستويات وتعبيرات مختلفة فهو في الحالة الدولية التي تعبر عنها أساسا روسيا والولايات المتحدة مختلف عن الحالة الإقليمية التي تعبر عنها إيران وتركيا وهو مختلف عن الحالة المحلية التي تعبر عنها الدول العربية الخليجية خاصة.

هاته الأزمة التي انطلقت نحو حصار قطر ومختلف التداعيات التي أعقبته تسمح بإبداء جملة من الاستنتاجات والفرضيات في ضوء التطورات الأخيرة وآخرها الكشف عن وثائق مؤامرة قلب نظام الحكم في قطر سنة 1996 :

تتعلق الملاحظة الأولى بتاريخية انتقال السلطة في الخليج حيث أن الوقائع الأخيرة أثبتت أن طبيعة انتقالها في المنطقة العربية سواء في النظم الجمهورية العسكرية أو الوراثية لا تخرج عن دائرة الصراع الإقليمي وهو ما يجعل من محددات السلطة غير مقتصرة على أبعاد ومعطيات داخلية صرفة بل تحددها خاصة معطيات خارجية وذلك في كثير من الحالات.  فما ما يحدث اليوم ليس أمرا طارئا أو جديدا بل هو امتداد طبيعي لتفاعلات قديمة متعلقة أساسا بطبيعة نظام الحكم في الخليج العربي.

تتمثل النقطة الثانية في حُمى الصراع على النفوذ بالمنطقة وهي نقطة لا تقتصر على القوى الدولية الحاضرة منذ قرون بل تشمل أساسا القوى العربية القديمة والجديدة. فما يحدث لا يخفي من ناحية أولى رغبة السعودية في فرض رؤيتها وتصورها السياسي للمنطقة على كافة دول مجلس التعاون الخليجي وهو ما يفسر السلوك الانعزالي لبعض الدول الخليجية مثل سلطنة عمان.  كما أن حمى النفوذ الامبراطوري قد أصابت أيضا دولة الإمارات التي تحاول بكل الوسائل غير المشروعة صناعة نفوذ كبير ولو كان على حساب ثورات الشعوب ومصير أجيال بكاملها.

أما النقطة الثالثة فتتجلى في دور القوى الخارجية وخاصة القوى العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة في تغذية هذا النفوذ حيث تشجع أطرافا بعينها على المغامرة والتمدد الذي لا يخرج في الحقيقة عن مشاريعها التمددية هي. إن الحضور الخارجي في أزمة الخليج ليس في الحقيقة إلا حضور مصالح واستراتيجيات مستقبلية وهو ما ينسف كل الأطروحات والرؤى التي ترى أن هذه الدولة تنصر تلك المجموعة أو غيرها على حساب الدولة أو الدول الأخرى.

آخر الملاحظات تخص مستقبل المنطقة ووحدة مصير شعوبها لأن خطورة هذه الأزمة لا تظهر في الخسائر المادية أو الاقتصادية بل تظهر أساسا في حجم الضرر الذي أصاب البنية الاجتماعية لشعب الخليج العربي. صحيح أن الروابط التي تجمع شعوب هذه المنطقة أقوى من أن تتأثر بالأزمات العابرة لكنها أزمات إن تعاودت قد تبدأ في تهديد البناء الخليجي بشكل يصعب ترميمه.

محمد هنيد

تقدير موقف, مميز
About قصد

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *