16/09/23

الوعي العربي الجديد

تنطلق قراءتنا هذه من الفرضية التالية : إنّ ما رسخت تسميته في الخطاب السياسي “الربيع العربي”  ـ ومجموع الثورات المرتبطة به ـ لم يُحقق إلى اليوم على مستوى الواقع المادي شيئا كبيرا بل هو لم يُنجز عمليا غير الفوضى العارمة في المناطق التي مرّ بها. هذه الفوضى هي التي دفعت الكثير من المراقبين ـ المتربصين ـ بتسمية ما لحق الربيع مباشرة “بالخريف الإسلامي” بعد فشل الانتخابات التي وقعت في مصر بسبب انقلاب العسكر أو انحسار المنسوب الثوري في تونس مثلا. هذا على مستوى البنية التحتية من معمار واقتصاد ومعاملات أما على مستوى البنية الفوقية أي بنية الأفكار والتصورات والرؤى فقد منح الربيعُ العربي الوعيَ العربيّ سنوات ضوئية من الإدراك والفهم وتعديل الرؤية وفهم التوازنات التي تحكم المشهد كله بشكل عام. الثورات العربية لم تحقق شيئا ماديا إذن لكنها حققت فتوحات معرفية كبيرة.

المرتكزات النظرية

ما الذي يؤسس قابلية الفرضية السابقة ويجعلها ممكنة الإقرار ؟

تاريخيا لا تنفي مسارات الثورات المعلومة القريبة منها والبعيدة هذا التصور على الأقل في جزئه الأول فالثورات لا تحقق شيئا لحظة حدوثها وهو وصف ينطبق على الحالة الروسية خلال ثورة 1917 أو الثورة الفرنسية قبلها 1789 أو الثورة الإيرانية 1979 وهي ثورات عرفت حالات كبيرة من الفوضى ومن المجازر الدامية. فالسمة التي تميز الانفجار الثوري هي حالة الفوضى الناجمة عن السعي إلى إحلال نظام وتصور ناشئ مكان نظام وتصور بلغ نهايته أو هو في طور بلوغها.

هذا الصراع بين منوالين متناقضين هو الذي يولد حالة الفوضى الطبيعية الناتجة عن الصراع بينهما وهو صراع من أجل البقاء  بين نظامين يختلفان بشكل كلي عادة سياسيا وثقافيا واجتماعيا أي أنهما يختلفان أساسا على مستوى الرؤى والمفاهيم والتصورات داخل نفس النسق الوطني. الثورة والتغيير تحدث من داخل نفس الفضاء الاجتماعي والسياسي الذي هو عادة بحدود الدولة وإلا فإنه يتحول إلى حالة استعمارية إن هو حدث من خارج الدولة الواحدة. الثورة الروسية والثورة الفرنسية والثورة الإيرانية كلها ثورات حدثت داخل نفس النسق والفضاء الوطني بسبب فعل الاستبداد والتسلط عادة.

ثم إن المحرك الأساسي للثورات عامة هو نسق الرؤى والأفكار وليس أي محرك آخر بمعنى أن ما يحرك الثورات هو الوعي والإدراك وأن كل المحفزات الأخرى إنما هي لواحق له وروافد تدعم مساره الرئيسي. الثورات تاريخيا هي عبارة عن حاضنة لأفكار جديدة تسمى عادة أفكارا ثوريا تتناسق لتبني مشروعا ثوريا عادة سواء كان هذا المشروع مشروعا واعيا أو لا واعيا

أي قد تكون أفكار الثورات ووعي الجماهير بالتغيير وحتميته مترجمة ومعبرا عنها في سياق تدويني معين كما يمكنها أن تكون أفكارا عفوية تعبر عنها رأسا الشعارات التي تهتف بها الجماهير الثائرة في الساحات والميادين.

مضامين الوعي العربي الجديد وأشكاله

قبل تصور المضامين التي يتأسس عليها الوعي العربي الجديد لا بد من الإشارة إلى معطيين أساسيين :

يتمثل المعطى الأول في أن هذا الوعي أو أن مضامين هذا الوعي هي مضامين غير مكتملة بالقدر الذي يسمح بعرضها عرضا كاملا ومستقلا. وهو أمر طبيعي في الحالات التي تترجم فيها الشعارات الجماهيرية المضمون الأساسي للثورات مثلما هو الأمر في الحالة العربية الأخيرة. الربيع العربي ثورة جماهيرية عفوية وغير إيديولوجية أو حزبية أي أنه لم يكن مشروعا مبرمجا لصالح مجموعة سياسية أو غير سياسية ولا يمكن لأي فصيل سياسي أو إيديولوجي أن يدّعي أنه وراء الانفجار الكبير الذي جدث بدأ تونس وصولا إلى كامل المنطقة العربية بعد ذلك.

يتلخص المعطى الثاني في أن إدراك مضامين الوعي الجديد يتطلب توصيفا للوعي السابق له فالوعي الناشئ يخرج في الحقيقة من بين جنبات الوعي القديم سواء بالتصحيح أو بالنقض وهذا الشكل الأخير هو الشكل الأكثر تواترا في التاريخ فعلى أنقاض المشروع السياسي والمجتمعي والثقافي القائم يتأسس مشروع جديد يحمل عادة عناصر متنافرة ومخالفة للمشروع القديم. بل يمكن تصور خصائص الوعي الجديد الرئيسية من خلال العناصر التي يتأسس المشروع الثوري عليها باعتبار مبدأ السلب أو النقض.

الوعي السابق للربيع

من العسير كما أشرنا إلى ذلك سابقا الإلمام بكل المضامين التي يتأسس عليها وعي ما قبل الربيع لكن يمكن في المقابل تحديد الخصائص الأساسية التي تميزه وضبط الأسس التي يقوم عليها :

فمن مرتكزات الوعي السابق للربيع هو الإدراك العام بأن النظام الحضاري في الدول التي شملها الربيع العربي يتأسس على الشكل الاستبدادي المطلق سواء في ليبيا أو مصر أو تونس أو سوريا أو اليمن أو حتى بعض البلدان الأخرى التي لم تشملها رياح التغيير رغم ما تشترك فيه من خصائص نوعية مع الدول التي عرفت ثورات عربية سلمية أو دامية.

الجماهير العربية تدرك هذا المعطى بشكل جيد من خلال مستويين أساسيين : يتمثل الأول في انعدام مبدأ الحرية الفردية والجماعية خاصة على مستوى التعبير السياسي أو حتى الإعلامي بشكل خاص فالنظام يختصر الدولة والحزب الحاكم هو المسيطر بشكل شبه كلى على مختلف أوجه الحياة ومستوياتها في الدولة. أما الثاني فيتلخص في ظاهرة الفساد باعتبارها السمة المميزة للنظام الاستبدادي عامة والعربي منه بشكل خاص وهو فساد ينخر كامل أجهزة الدولة ومرافقها الخاصة والعمومية.  يتحقق المبدآن عن طريق أهم وسائل ترسيخ النظام الاستبدادي وهي آلية القمع بأشكاله المختلفة سواء المادي منه والجسدي أو القمع الرمزي أو المعنوي بوسائله المتعددة.

الوعي بالتخلف وهي خاصية ثقافية تميز الوعي العربي سواء منه وعي النخب العربية أو الوعي القاعدي الجماهيري الذي يتجلى في مستويات تعبيرية مختلفة. لا يقتصر الإقرار بالتخلف على مجال المقارنة مع الأمم الأخرى والقوميات البعيدة أو القريبة بقدر ما يقوم على المقارنة بماضي الأمة نفسها باعتبارها صاحبة إرث حضاري وتاريخي وعلمي عظيم لا يتناسب مع الواقع المتردي الذي تعيشه شعوبها اليوم. أي أن المقارنة التي يتأسس عليها إدراك التخلف لا تقتصر على المعطى الزمني المعاصر بل تمتد في أساسها إلى التاريخ الكبير للأمة العربية الإسلامية وإنجازاتها الحضارية الكبيرة وهي مقارنة يتم إجراؤها على المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي.

هذا الوعي السابق للربيع والذي مازالت عناصر كبيرة منه ومكونات مختلفة من بنيته الداخلية ومن مضمونه فاعلة في المشهد العربي يتميز بخاصية أساسية ستساهم بشكل كبير في تحديد الطابع الفجائي وغير المتوقع لثورات الربيع الأخيرة. تتمثل هذه الخاصية في طابع ” الكمون ” أي أن هذا الإدراك ليس إدراكا خارجيا يظهر في المشهد اليومي ـ إعلاميا مثلا ـ بل هو وعي كامن في الخطاب اليومي غير الرسمي وفي أشكال التواصل الحضاري الطبيعية للفرد والمجموعة. هو إدراك نفسي يتسلل عبر كل المواقف الفردية والجماعية لكن لا يملك المساحة التعبيرية القادرة على ترجمته إلى خطاب رسمي مباشر.

فوعي الإنسان في شكله الفردي والجماعي بالتخلف والاستبداد والقمع وانعدام الحرية  ـ مقابل إرث حضاري كبير قائم أساس على التعدد والتنوع والاختلاف وحرية الرأي ـ لا يظهر في الوسائل والقنوات التعبيرية لكنه يؤسس كامل الفضاء النفسي العربي ويحدد ردود أفعاله. هو لا يظهر كذلك في السلوك اليومي الخارجي لارتباطه الوثيق ” بحاجز الخوف النفسي” المؤسس على عامل القمع والتسلط.

العنصر المغذي لهذه الخصائص هو ما يقدمه النظام الرسمي العربي من عناصر مناقضة تماما للوعي الفردي والجماعي التي أشرنا إليها سابقا. فالخطاب الرسمي المؤسس على تزييف الوعي والإيهام بالتقدم وبالرقي وبالإنجازات العظيمة للحاكم العربي هو الآلية التي كانت تسعى إلى إخفاء مضامين الوعي السابق أو تزييفها فواقع الوعي العربي قائم على تنافر شديد بين الواقع اليومي ومجموع المشاكل الكبرى المرتبطة به من ناحية وبين زيف الخطاب الرسمي الذي يخفي هذه المشاكل ويقدم صورا مزيفة ومناقضة للواقع.

هذا التناقض الكبير هو الذي يفسر كيف صُدم العالم كله من اندلاع الربيع العربي في تونس التي كان النظام يقدمها في صورة منوال ونموذج للحداثة والحرية والتعدد وهي الصورة التي كانت تخفي واقعا اجتماعيا واقتصاديا بائسا يطحن الملايين من الفقراء والمعطلين ويلغي دورهم في الحياة وفي البناء الحضاري.

الواقع العربي مثلما حددت ثورات الربيع بعضا من عناصره إنما يقوم على خطابين متنافرين هما في الحقيقة جزء أساسي من الصراع الدائر بين الثورة والثورة المضادة أو بين الثورة وبين الدولة العميقة. الصدام بين الوعي بالتخلف وبضرورة التغيير من ناحية وبين تزييف هذا الوعي  ـ وهو تزييف قائم أساسا على آليتيْ الإلهاء من ناحية والإيهام بالتقدم من ناحية أخرى ـ هو الذي أدى إلى الانفجار الكبير في الريف التونسي الفقير وشمل ولا يزال كامل المنطقة العربية أو يكاد.

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

hyyyyyyyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyyy