لا يمكن في البداية أن نتصور تغيرات اجتماعية أو حتى اقتصادية أو سياسية غير مؤسّسة على وعي سابق هو بمثابة القادح الحقيقي الذي يقود نحو التغيير لكن من ناحية أخرى يُقدَّم هذا الوعي دائما في شكل كليّ غير واضح الملامح أو المعالم. فهل هو مجموعة من الأفكار والقناعات الجماعية أو الفردية أم هو أنساق كلية ومشاريع ثورية أم هو أدبيات شفوية أم هو كل هذا؟ ننطلق في هذه القراءة من التمييز في الوعي الثوري أو الوعي المصاحب للثورات بين نموذجيين كبيرين على الأقل فيما يتعلق بطبيعة القناعات الثورية.

طبيعة القناعات الثورية

يتمثل النموذج الأول في الوعي المكتمل وهو عبارة عن أفكار وقناعات وأنساق ورؤى تم تداولها ومراجعتها ومناقشتها وقد تكون في بعض الحالات قد أثبتت فعاليتها في التغيير وفي صياغة مشروع ما بعد التغيير أو ما يسمى بالمسارات الانتقالية. من نماذج هذا الوعي العديد من الثورات العالمية مثل الثورة البلشفية 1917 التي تعود أدبيات التغيير فيها إلى القرن الثامن عشر والتاسع عشر في حين اندلعت هي في مطلع القرن العشرين. هاته الثورة هي التي مكنت من تحقيق تغيرات أخري بنفس الأفكار والرؤى والوعي ضمن ما يسمى بتصدير الثورات مثلما حدث في أوروبا الشرقية أو في أمريكا اللاتينية أو في الصين خلال النصف الأول من القرن العشرين.

أما النموذج الثاني فهو وعي غير مُصاغ أو بعبارة أدق وعي غير قابل للتصنيف والمقاربة مثلما هو الأمر في النموذج الأول حيث يتميز التغيير الاجتماعي بالفجائية من ناحية وبغياب المرجعية الفكرية الثابتة والواضحة من جهة أخرى. لكن هذا لا يعني أن هذا الوعي غير موجود أو غير مكتمل الشروط لأنه هو الذي سمح بإحداث التغيير الاجتماعي. ففي حال الربيع العربي الذي انطلق من تونس في خريف 2010 لم تكن حركة الوعي حركة مكتملة أو تامة مثلما هو الحال في ثورات أخرى بل تمثلت أساسا في مجموعة الشعارات التي ترجمت بحق مضمون الوعي العربي الجديد الناشئ مع ثورات الربيع الأخيرة.

خصائص الوعي الجديد

تمثل شعارات الربيع العربي مضامين الوعي الجديد الناشئ وهي شعارات حملت في معظمها مطالب اجتماعية أساسا تطورت في مرحلة موالية إلى مطالب سياسية. شعارات الثورات العربية  تتمتع بجملة الخصائص التالية.

  • الخاصية الأساسية لثورات الربيع العربي وأهمها على الإطلاق هو أنها كانت ثورات سلمية بالأساس لم تدع إلى العنف ولم تعبر عنه ولم تنفذه. فالسلمية هي الخاصية المركزية للثورة العربية وهو ما يمكنها من سمة أساسية تختلف بها جذريا عن العديد من الثورات الأخرى في التاريخ والتي كانت ثورات دامية ومسلحة منذ نشأتها مثل الثورة الفرنسية أوالثورة البلشفية أو حتى الثورة الايرانية. فقد واجهت الجماهير الغاضبة بصدور عارية فرق الموت التي أرسلها النظام الاستبدادي لقمع المتظاهرين وهي مظاهر برزت جليا بشكل وحشي خلال الثورة الليبية وخاصة خلال الثورة السورية التي تحولت إلى حرب إبادة تسعى عبرها الطائفة الحاكمة إلى الانتقام من الشعب عبر استعمال كل أدوات القتل ومنها السلاح الكيمائي المحرم دوليا.
  • ثانيا هي شعارات عفوية أولا أي أنها مقولات ومطالب لم تكن معدة سلفا ولم تصغها مجموعات منظمة على مستوى المطالب أو على مستوى الوعي بهذه المطالب بل كانت أقرب إلى التعبير المباشر والعفوي عن الغضب والاحتقان والإحساس بالظلم منها إلى المطالب المنظمة والواضحة والمرتبة سلفا.
  • هي مطالب اجتماعية ثالثا أي أنها لم تكن مطالب إيديولوجية أو حزبية أو سياسية تهم فئة أو قطاعا أو تيارا معينا بل غطت مضامينها كل الطبقات الاجتماعية لتعبر بشكل جليّ عن عمق المطلب الاجتماعي خلال الربيع العربي. لكن لا بد من الإشارة هنا إلى أن الطبقات الأكثر تضررا من حقبة الاستبداد العربي هي التي وجدت نفسها في هذه الشعارات وخاصة فئة المعطلين وفئة الشباب خلال الموجة الانفجارية الأولى للثورات العربية.
  • الخاصية الرابعة هو أن هذه المطالب هي مطالب متصاعدة عرفت مرحلية كبيرة على مستوى تطورها أي أنها تغيرت في شكلها ومضمونها عبر مراحل الثورة إلى حدود سقوط النظام فقد تطورت هذه المطالب بحسب ردود الأفعال القمعية التي مارسها الحاكم أمام مجموع الجماهير الغاضبة. فالملاحظ مثلا هو أن الثورة التونسية لم تطالب بإسقاط النظام منذ البداية وكذلك الثورة الليبية وثورة مصر وكذلك الثورة السورية لكنها طالبت بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية أولا. في المقابل يمكن القول أن المطالب الإصلاحية والاجتماعية سرعان ما تطورت إلى مطالب سياسية تنشد إسقاط النظام وإسقاط النموذج الاستبدادي الحاكم باعتباره السبب الأساسي لكل أشكال القمع.
  • الخاصية الخامسة لشعارات الربيع العربي هو أنها تحولت من التعدد إلى الوحدة أي أن الشعارات التي رفعت في تونس سرعان ما تحولت إلى مصر ثم إلى ليبيا ومن بعدها إلى اليمن وإلى سوريا مع محافظتها على بعض الخصائص الداخلية للبيئة المنتجة لها مثل شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”. هذه الخاصية الموحدة هي التي تسمح باعتبار الثورات ثورة واحدة أكدت معطى ثابتا وهو أن النظام الإقليمي العربي لم ينجح في فصل الشعوب العربية عن بعضها ولم يحقق الهدف الاستعماري الذي كان وراء نشأته.
  • الخاصية السادسة لشعارات الربيع العربي باعتبارها الشكل المباشر للوعي الناشئ هو أنها كانت شعارات متحررة من الايدولوجيا السياسية مما منع النظام الرسمي العربي من الانقضاض عليها والانقلاب على مطالبها. فلو كانت الشعارات الأولى للثورات العربية إسلامية مثلا أو يسارية أو قومية لقامت أبواق النظام بشيطنة الفصيل السياسي المرتبط بها من جهة أو لتمكنت من مقايضة قياديي هذه الجماعات وشراء القابل منها للشراء كما كانت تفعل دائما أو لاخترقتها استخباراتيا ولانقلبت على مطالبها.
  • الخاصية السادسة هي كونية الشعارات الثورية العربية وهو ما سمح لها بالحصول سريعا على تعاطف عالمي ودولي سريع خاصة على مستوى الرأي العام الدولي الشعبي الذي رأى في هذه الثورات تذكيرا بثوراته التي عرفها خلال القرن الماضي في زمن اعتقد فيه الجميع أن الثورات الشعبية العفوية لم تعد ممكنة الحدوث. فمقولات مثل “الحرية” و”الديمقراطية” و”الكرامة” و”حقوق الإنسان” مازالت تمثل رصيدا إنسانيا مشتركا لا تختلف فيه هذه المجموعة البشرية عن الأخرى.

يمكن القول بناء على المعطيات السابقة أن مجموع الخصائص التي ذكرناها هي مجموعة من العناصر المتشابكة والمتداخلة وليس الفصل بينها هنا إلا فصلا منهجيا هدفه محاولة تقديم العناصر اللازمة لفهم خصوصية الثورات العربية من الداخل عبر تفكيك شفرتها الداخلية وإدراك المميزات التي تفصلها عن غيرها من الحركات الاجتماعية أو تلك التي تربطها بها. هاته الخصائص التي تميز الوعي العربي الجديد الناشئ قادرة على نسف الكثير من التهم أو المعطيات التي لا تصمد أمام التحليل الموضوعي والقراءة المتأنية. وهي تهم طرأت بعد تعثر الموجة الثورية الأولى وسعى النظام الرسمي العربي أو ما رسخ تسمية في الخطاب السياسي “بالثورة المضادة” أو “الدولة العميقة” عبر أبواقه الإعلامية إلى وسم الثورات بها.

لنأخذ مثلا القول بأن “الثورات العربية كانت مؤامرة من أجل تفكيك الوطن العربي” أو القول بأن “الثروات العربية هي ثورات فوضى وإرهاب وعنف” أو أن “الربيع العربي خطة صهيونية”. هل تستقيم هذه المسلمات النظرية لإعلام النظام الرسمي أمام التحليل الموضوعي ؟ وهل هي قادرة على أن تثبت أمام المعطيات والخصائص التي قدمناها سابقا ؟

حتما لا . فخاصية العفوية التي وسمت انطلاقة الربيع العربي تنسف القول بالمؤامرة من أساسه لأن المؤامرة عملية محكمة ومسبقة التخطيط. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ألا تكشف شعارات الربيع العربي أن الثورات إنما كانت عنصر توحيد للطبقات الشعبية القاعدية في الوطن العربي؟  ألم تعبر عن آلام المصريين والتونسيين والسوريين والليبيين التائقين إلى الحرية وإلى العدالة الاجتماعية.

أما الخطة الصهيونية التي روجت لها أبواق النظام المصري من جهة وأبواق النظام السوري من جهة أخرى فقد كشفت الأحداث الرباط الوثيق الذي جمع دولة العمق في كلا البلدين مع الأجندة الصهيونية وأن أول المتآمرين على ثورات الربيع العربي كانت العصابات الصهيونية التي تدرك جيدا أن الحرية العربية هي الطريق إلى القدس وإلى تحرير فلسطين. ألم تكشف ثورات الربيع العربي من جهة أخرى أنها شعوب لا تمارس العنف حتى في أحلك لحظاتها التاريخية وأن الإرهاب والقتل إنما هو السمة المميزة للنظام القمعي لا للجماهير العربية.

0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *