18/09/06

منطق اعتقال الرأي في المنطقة العربية اليوم

لا يمثل الاعتقال ومصادرة الرأي وقمع الحريات وسجن النشطاء ظاهرة جديدة في البلاد العربية بل إنه يمثل امتداد لسياسة راسخة في بنية ممارسة السلطة السياسية عربيا منذ نشأة الدولة القُطرية. يمكن القول أيضا إن أهم ما يميز البناء السياسي العربي وأهم ما يختلف به عن بقية الأنظمة السياسية في العالم إنما يتجلى أساسا في هذه الخاصية الفارقة. القمع إذن هو شرط من شروط وجود النظام الرسمي العربي نفسه وأداة يعبر بها عن طبيعة ممارسته للسلطة السياسية وتصوره لها.

لكن المعطيات الحادثة الجديدة تستوجب إعادة قراءة الظاهرة وتبين منطقها الداخلي عبر استجواب آلياتها وطريقة عملها وجغرافيتها وكذلك تاريخ ممارستها. أهم المعطيات الحادثة التي لا يمكن اليوم قراءة أية ظاهرة أو ممارسة سياسية أو اجتماعية في المنطقة دون أخذها في الاعتبار إنما تتمثل في التغيرات السياسية العميقة التي شهدتها البلاد العربية منذ الانفجار التونسي الكبير في أواخر سنة 2010. لا يقتصر الإطار العام على هذا المعطى فقط بل يشمل كذلك جملة التداعيات التي خلقها سياق ” الربيع العربي ” أو ” ثورات الشعوب العربية ” أو ” الاحتجاجات الشبابية العربية ” حسب الرؤية والمرجعية والتصور لهذه التصنيفات. أي أن ما خلقته احتجاجات تونس الشعبية ذات المطلبية الاجتماعية في بدايتها لا تزال أصداؤه تتردد في كل الأقطار العربية تقريبا بعد قدرته على إسقاط أنظمة راسخة أو “واجهات أنظمة ” كما فرض مراجعة كبيرة وشاملة لطبيعة الأداء السياسي في البلاد العربية.

بناء على ما تقدم فإن التغيرات الكبيرة التي عرفها الأداء السياسي عربيا والذي شمل الإطاحة بأنظمة قائمة يفرض منطقيا ويستدعي تحليليا أداوت جديدة لفهم ما لم يكن من الممكن التنبؤ به بالنسبة للنخب العربية أو تفاديه بالنسبة للنظام السياسي نفسه. كيف لم تستطع النخب العربية على اختلاف مشاربها توقع ما حدث ؟ وكيف يمكن للنظام السياسي نفسه بكل أذرعه وامكانيته أن يفشل في تفادي ما حصل ؟

لا شك أن زوايا عديدة من بنية السلطة السياسية ومن طريقة عمل آلياتها وتبدل أطوارها لا تزال مجهولة وغير قابلة للتفسير المنطقي الرياضي وهي خاصية طبيعية في مجال العلوم الانسانية الذي يختلف في هذا المستوى عن مجال العلوم الصحيحة. وحدها نظرية المؤامرة قادرة على تفسير التحولات السياسية في المنطقة العربية بصيغة كلية شاملة وسهلة بسيطة رغم توافر العديد من العوامل الغامضة والخارجية في طبيعة ردود الأفعال الرسمية العربية اليوم.  إذن كيف يمكن الإجابة عن السؤال التالي : إذا كانت سياسة الاعتقال ومصادرة الرأي بما هي ممارسات استبدادية قد ساهمت في تأجيج الحركات الاجتماعية التي أسقطت ثلاثة أنظمة قمعية عربية فلماذا تواصل بقية الأنظمة الإبقاء على نفس الممارسات ؟

مثلت الاعتقالات في المملكة العربية السعودية مؤخرا لنشطاء وشيوخ ودعاة ومفكرين وأطباء دليلا جديدا على رسوخ قدم الاستبداد في الممارسة السياسية العربية أمام كل الأصوات التي تخالف المنطق السياسي السائد وتعارض النسخة الرسمية لخطاب النظام. تمثل الحملة السعودية التي دشنها ولي عهد المملكة إعلانا صريحا بأن النظام السياسي القائم يستنسخ بشكل كامل الوسائل القمعية القديمة التي عرفتها الأنظمة العسكرية العربية. لكن هذه هي المرة الأولى التي يعرف فيها النظام السياسي حملة اعتقالات واسعة النطاق تتزامن مع تحولات كبيرة تعرفها المنطقة العربية ومنطقة الخليج تحديدا وجوارها الإقليمي المباشر.

شملت الحملة السعودية أطباء وشيوخا وناشطات ومغردين ووجهاء وحتى أعضاء من العائلة المالكة لتكتسح الحملة بذلك كل الطبقات الاجتماعية والفكرية السعودية وهي كلها اعتقالات جاءت على خلفيات مواقف وأراء ضمن حملة أطلق عليها النشطاء اسم ” معتقلي الرأي “.

ليست السعودية إلا آخر الحواضر العربية التي عرفت هذه الظاهرة بهذه الحدة  فقد سبقتها مصر وسوريا واليمن والعراق وليبيا وتونس وكل الدول العربية باستثناءات نادرة في ترسيخ مبدأ الاعتقال السياسي كرد فعل رسمي على كل صوت معارض. ففي مصر مثلا شملت الاعتقالات وأحكام الإعدام كل الرموز السياسية لحركة الاخوان المسلمين المعارضة بدءا بالرئيس نفسه “محمد مرسي” الذي يواجه عقوبة قد تصل إلى الإعدام. أما في سوريا فإن عمليات التصفية الجسدية التي طالت مئات المعارضين للنظام البعثي فقد كانت الأشد في سياق الثورة السورية ومواجهة النظام لها بالقوة المسلحة وبالأسلحة الكيماوية مستعينا بالقوات الروسية والإيرانية ومليشيات حزب الله اللبناني خاصة.

جغرافيا كانت الأنظمة العربية العسكرية أو الجمهورية أكثر ميلا إلى استخدام أداة الاعتقال السياسي كوسيلة لقمع المعارضين ومصادرة الرأي المخالف. ولا شك أيضا أن الثورات التي عرفتها هاته الدول كانت تغذيها موجات القمع التي شملت آلاف المعارضين السياسيين والإعلاميين والنشطاء بمعنى أن القمع السياسي ومصادرة حرية الفكر والتعبير كانت واحدة من أهم الروافد المغذية للاحتجاجات الشعبية .

لم تكن أداة الاعتقال السياسي ظاهرة للعيان في الأنظمة الوراثية وخاصة تلك التي لم تشملها موجات الربيع العربي باستثناء المغرب أو البحرين في مراحل مختلف ولكن بأقل حدة عن تلك التي تمارس في الأنظمة الجمهورية العسكرية. لكنها اليوم ومع حملة الاعتقالات الكبيرة التي عرفتها السعودية والإمارات مع سجن النشطاء والشيوخ والدعاة والمعارضين السياسيين فإن الرقعة الجغرافية لسياسة قمع الرأي ومصادرته بصدد التوسع لتشمل بشكل متساوي كامل المنطقة العربية.

فباستثناء المغرب الذي يعرف من حين لآخر احتجاجات اجتماعية هامة فإن بقية الرقعة السياسية الوراثية لم تعرف اعتقالات على خلفيات مطلبية بشكل متواتر وبالحجم الذي عرفته الدول الأخرى بسبب الطبيعة الاجتماعية والسياسية لكل دولة. اقتصر الأمر في الأنظمة الوراثية على حالات منفردة مثل قضية المعارض الشيعي البارز “نمر النمر” في السعودية مثلا أو “مجموعة البرلمانيين” في الكويت.

أول الخلاصات الهامة إذن تتمثل في تماثل الفعل السياسي العربي بين النظام الملكي الوراثي والنظام الجمهوري في مسألة التعامل مع المعارضين السياسيين بشكل واضح.  يمكن القول اليوم إن الحدود التي تفصل بين الشكليين السياسيين الأبرز عربيا أي الملكي الوراثي من جهة والجمهوري العسكري أو الأمني من جهة أخرى هي بصدد الاختفاء على السطح وإن كانت الحدود بينهما غير موجودة تقريبا على مستوى العمق باستثناءات شكلية بسيطة. إن ما يوحد الفعل السياسي العربي اليوم هو أكبر مما يفرقه وبذلك يمكن القول إن البنية السياسية العربية على مستوى التصور والفعل صارت موحدة أكثر من أي وقت مضى.

ثاني الخلاصات الهامة إنما تتعلق بالسياق الجديد الذي تندرج فيه التطورات الأخيرة فيما يتعلق بردود فعل السلطة السياسية عربيا لأن الأحداث الأخيرة في المنطقة وخاصة منها “ثورات الربيع ” تمثل إطار جديدا قادرا على قراءة خصائص هذه الظاهرة وتبين ملامحها الأساسية أسبابا ومسارات وأهدافا. فالسياق الجديد بكل مضامينه وخاصة ما تعلق منها بدور القمع السياسي ومصادرة الرأي المخالف في تأجيج المطالب الشعبية وإلهام التحركات الاجتماعية وتأجيجيها يستدعي أخذه بعين الاعتبار لبناء منطق سياسي جديد يختلف عن المنطق السياسي السابق لثورات الربيع. إن تمدد سياسة القمع ومصادرة الرأي تؤكد أن النظام السياسي العربي لم يتعلم من دروس الربيع ولا يزال يعتبر الأساليب القديمة قادرة على تحقيق الهدف منها وهو أمر يكشف قدرا كبيرا من قصر النظر ومن إغفال أهم المستجدات في الساحة العربية وخاصة ما تعلق منها بالوعي الاجتماعي للجماهير.

إن الاحتجاجات الشعبية التي أسقطت أنظمة عربية خلال العقد الأخير والتي لا تزال تتفاعل في المنطقة شرقا وغربا تؤشر في أحد مستوياتها على تحول نوعي هام في طبيعة الوعي العربي وفي نظرته إلى سياسة القمع السياسي التي تمارسها الأنظمة السياسية. فالتجربة التونسية والليبية والسورية وكذلك المصرية أثبتت أن القمع السياسي مهما بلغت حدته يبقى عاجزا عن تحقيق السلم الاجتماعي بل إنها أكدت أنه محرك من أهم محركات المطلبية الاجتماعية.

ثالث الخلاصات إنما تتجلى وعي السلطة السياسية بعدم شرعية منطق التعامل السياسي الذي تفرضه على مجتمعاتها وأساسا على المعارضة السياسية أحزابا وأفرادا وجمعيات. يظهر ذلك جليا في جملة من المعطيات لعل أولها مجموع الشعارات التي ترفعها الدول العربية سواء في المحافل الدولية لتثبت ـ زورًا ـ التزامها بالقوانين والأعراف والمواثيق الدولية. كما يظهر وعي السلطة السياسية بشرعية مطالب حرية التفكير والتعبير في إقراراها نصوصا قانونية داخلية تؤكد على أن حق التعبير مكفول دستوريا وقانونيا. لكن أبرز الأمثلة والنماذج على وعي السلطة السياسية بخرقها للقانون وبشرعية المطلب الاجتماعي المتعلق بحرية الرأي والتعبير يظهر خلال أوج الأزمات السياسية أو حين يشعر النظام السياسي بتهديد وجودي مثلما حدث خلال الانتفاضات الشعبية الأخيرة. ففي الخطاب الأخير الذي توجه به الرئيس التونسي ” بن على” إلى شعبه أياما قليلة قبل فراره ركز الأخير على مسألة الحريات التي استأثرت تقريبا بكل خطابه عندما وعد التونسيين ـ كل التونسيين ـ بمزيد من الحريات وأعلن أنه كان مخطئا في قمع الرأي المعارض وفي مصادرة الرأي الآخر.

إن وعي السلطة السياسية بمصادرة حرية التعبير يختلف عن وعيها بمخاطر هذه المصادرة على استقرار السلطة السياسية نفسها أي أن إدراك الحاكم لعدم شرعية ردود أفعاله تجاه الخطاب المخالف يختلف كليا عن إدراكه لتبعات ذلك على تثبيت حكمه على المدييْن المتوسط والبعيد خاصة. فالقدرة على التحكم بالدولة والمجتمع على المدى القصير تختلف عن تحقيق نفس القدرة على المديين المتوسط والبعيد وهو ما يجعل من هذه الممارسات قنابل موقوتة ومفخخات قد تنفجر في كل حين مهددة الاستقرار الاجتماعي والسياسي للدولة.

هذه الخلاصة الأخيرة تكشف بكل جلاء أن منطق الحكم السياسي في المنطقة العربية يتميز أساسا بمبدأ العشوائية والتخبط وقصر النظر حيث لا تهتم السلطة السياسية إلا بمنع التهديدات المباشرة للاستقرار السياسي على الأمد القصير مستعملة وسائل تحمل في طياتها بذور الفوضى القادمة وعلى رأسها محاربة الحريات بكل أشكالها. إن موجات الانتفاضات الشعبية التي تعرفها الحواضر العربية كانت في الحقيقة إعلانا عن انتهاء فعل معين في السياسة الرسمية العربية وكانت إيذانا بأن هذا الفعل السياسي قد وصل إلى نهايته وأنه يستوجب المراجعة والتغيير. لأن الاستمرار في هذا المنهج بالتعامل القمعي مع الرأي المخالف سيكون مهددا لاستقرار النظام السياسي وسيستعيد آجلا أم عاجلا وسائله التعبيرية الاحتجاجية في الشارع.

ليست حرية التعبير إذن مطلبا شعبيا اجتماعيا أو فرديا فقط بل هي في جوهرها أساس من أسس الاستقرار السياسي وضامن مركزي لتحقيق أمن الدولة والمجتمع على السواء. إن إمعان السلطة السياسية عربيا في تجاهل هذا المطلب وفي إنكار خطورته على استقرار المنطقة وإنكار دوره في تغذية العنف والنزوع إلى التطرف إنما يمثل مشاركة حقيقية في تهديد أمن المنطقة وتهديد استقرارها بشكل مباشر.

إعداد : مركز قصد /  فريق المقالات
التاريخ : 06 /09 / 2018

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

hyyyyyyyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyyy