18/09/14

منطق النظام السياسي العربي

المقدمة

لا تقتصر سطوة النظام الرسمي العربي بما هو في جوهره نظام قمعي على الوسائل القمعية والأدوات الزجرية المادية التي يستعملها للإخضاع الدولة والمجتمع والتحكم في وسائل تنظيم السلطة وتوزيعها في مجاله الخاص. بل يمكن القول إن القوة المادية المتمثلة في الوسائل العسكرية والأمنية ومنظومة القوانين التي تضبط حركة المجتمع لا تشكل إلا الجزء الظاهر من وسائل النظام السياسي في إحكام قبضته على هذا المجال. إن الوسائل والأدوات غير المادية تشكل روافد أساسية للنظام السياسي العربي وهي القادرة بحسب طبيعة مكوناتها وطرق اشتغالها على ضبط خطط النظام السياسي وعلى تسهيل الهيمنة على كل ما من شأنه أن يهدد سلامة البناء السياسي للنظام.

  1. مهددات النظام الرسمي العربي

تتوزع مهددات النظام السياسي العربي على ثلاث واجهات أساسية تشكل المصادر الحقيقية لكل تهديد وجودي قد يطال البنية السياسية القائمة وهي الواجهة الداخلية للنظام ثم الواجهة الخارجية ونقصد بها الجماهير الشعبية ثم الواجهة الثالثة وهي القوى الخارجية. أي النظام سياسي يمكن أن يسقط سواء من قبل أطراف داخلية كالانقلابات الناعمة وغير الناعمة أو عن طريق الثورات الشعبية أو عن طريق القوى الخارجية. في تونس مثلا شكل انقلاب الوزير الأول ووزير الداخلية “بن على” ضد الرئيس العجوز بورقيبة في 1987 نموذجا من نماذج الانقلابات الناعمة على السلطة. كما شكل انقلاب وزير الدفاع “عبد الفتاح السيسي” ضد الرئيس محمد مرسي في 2013  شكلا آخر من أشكال الانقلاب العسكري الدامي. أما الثورات فقد مثلت الاحتجاجات الشعبية التي عرفتها الدول العربية منذ 2011 في تونس وليبيا ومصر خاصة شكلا من أشكال التغيير الاجتماعي للنظام السياسي القائم. أما النوع الثالث من أنواع التغيير القسري للسلطة فيتمثل في التدخل الخارجي مثلما حدث في حالة غزو العراق سنة 2003 وإسقاط نظام الرئيس العراقي “صدام حسين”.

بناء على ما سبق فإن التهديدات التي تطال السلطة السياسية وتهدد استقرارها إنما تتأتى أساسا من هذه المصادر الثلاث دون غيرها. لكن لا بد من الإشارة إلى أن هاته الآليات قد تتحرك منفردة كما يمكن أن تكون مركبة أي أن يتحالف لتغيير النظام السياسي مصدران لا مصدر واحد مثلما هو الحال في أغلب الانقلابات العسكرية وغير العسكرية التي تتم عادة بضوء أخضر خارجي لا يتطلب بالضرورة الغزو العسكري إلا في حالات نادرة.

   2. منطق الاستبداد العربي

يعي النظام السياسي العربي جيدا هذه التهديدات ويعمل جاهدا على تحصين نفسه من أنواع الهزات الممكنة وذلك عبر ثلاث وسائل أساسية.

  • تمثل الوسيلة المادية أولى هاته أدوات وتتجلى في التوظيف المؤسسة الأمنية والعسكرية والقانونية من أجل ردع الرأي المخالف وضرب كل المحاولات التي تشكل تهديدا للنظام وهي الوسائل التي نراها بارزة في مختلف الدول العربية. لا تكاد تختلف وسائل القمع العربية بين قطر وآخر إلا بمدى سطوة النظام في تطبيقها على معارضيه عملا بقاعدة مصادرة الرأي الآخر ومنع حربة التعبير وسجن المعارضين وتصفية بعضهم إن لزم الأمر والشواهد في البلاد العربية أكثر من أن تحصى. إن التقارير الدورية لمنظماتحقوق الإنسان العالمية تمثل شاهدا أساسيا على سياسة القمع المنظم التي تنتهجها الحكومات العربية ضد كل المعارضين والناشطين الذين لا يعترفون بسلطة النظام أو الذين يتجرؤون على نقده.

يمثل هذا الخيار وسيلة فعالة تحصن النظام من أخطار العناصر الموجودة داخل بنية السلطة وخارجها أي أن القمع المادي والتنكيل الجسدي ومصادرة الحرية تشكل رادعا يشمل في نفس الوقت العناصر الواقعة خارج دائرة السلطة أو داخلها. وهي وسيلة أثبتت نجاعتها خاصة في الفترة التي سبقت الانتفاضات الشعبية الأخيرة وتمكنت من تحصين السلطة السياسية خلال مرحلة تزيد عن نصف قرن من الزمان. لكن الثورات الشعبية الأخيرة فيما أصطلح عليه ” ربيع الشعوب   ” شكلت منعرجا كبيرا في مدى فعالية هده الوسيلة ونجاعتها.

  • أما الوسيلة الثانية التي اعتمدتها السلطة السياسية العربية من أجل حلول دون أي تهديد وجودي لها فتتمثل في سياسة الترغيب والترهيب التي لا تصل إلى مرحلة القمع المادي وإن كانت لا تختلف عنه كثيرا إلا بهذه الخاصية. عملت الحكومات العربية على جذب مختلف القوى والفواعل السياسية والاجتماعية والفكرية التي لا تندرج طواعية في مجال فعلها. فكرست سياسة الإغراء للنخب المحلية عبر توزيع الوظائف وعرض المناصب والمكاسب المهنية والتحكم بالترقيات الوظيفية حسب درجة الولاء للنظام. كما عملت من جهة أخرى على حرمان المعارضين من ذلك والتضييق عليهم في حال رفضهم التعاون مع النظام والاندراج في خططه السياسية والإدارية. تحولت الدولة إلى ما يشبه الغنيمة وصار التوظيف لا يخضع للكفاءة العلمية والعملية بقدر ما صار مرتبطا بدرجة القرب من النظام أو البعد عنه وهو ما قوض بشكل واضح كل القطاعات السيادية في الدولة العربية باستثناءات قليلة جدا.
  • أما ثالث الوسائل التي يعمل النظام السياسي العربي عبرها على فرض سلطته الداخلية فتتمثل في ضمان الولاء الخارجي وخاصة للقوى الدولية المهيمنة عالميا. ويظهر هذا الولاء أو التبعية إن صح التعبير في ضمان المصالح المادية للقوة الخارجية ومراعاة المكاسب التي تحققها في الدول العربية دون استثناء سواء عبر السيطرة على الأسواق الداخلية أو عبر صفقات الأسلحة أو عبر المنح والهبات المباشرة التي تكتسي أحيانا صبغة العقود الرسمية. منطقة الخليج العربي مثلا تمثل سوقا سخية لشركات الأسلحة العالمية التي تجد في المنطقة حرفاء على قدر كبير من السخاء تضمن لها صفقات خيالية خاصة وأن المنطقة تتميز بحدود دائمة الاشتعال. وليست الصفقات الخيالية التي أبرمها الرئيس الأمريكي ترامب مع المملكة العربية السعودية إلا أحد الأوجه دالة على قيمة المنطقة العربية بالنسبة لمصالح العالمية والأطماع الدولية.

 للاطلاع على بقية المقال: منطق النظام السياسي العربي

 

إعداد : مركز قصد /  فريق المقالات

التاريخ : 14 /09 / 2018

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

hyyyyyyyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyyy