16/09/23

من دروس الربيع العربي

تقف الأمة اليوم على أعتاب مرحلة حاسمة وحساسة من تاريخها وهو أمر يفسّر حجم التحويرات التي تعرفها المنطقة سواء على مستوى الأنظمة السياسية أو على مستوى الخيارات التي تطرح أمام الأنظمة التي لم تشهد تغيرات جذرية منذ اندلاع ثورات الربيع العربي في تونس منتصف أخر أشهر سنة 2010. حركة التغيرات الكبيرة التي عرفتها المنطقة تراوحت بين سقوط أنظمة وترنح أخرى وبين انقلابات مختلفة على الثورات نفسها منها الانقلاب العسكري كما هو الحال في مصر أو الانقلاب الانتخابي كما هو الحال في تونس أو الحرب الأهلية كما هو الحال في سوريا أو تصدير الانقلاب كما هو الحال في ليبيا. لكن هذه التغيرات أثبتت من جهة أخرى أن الصراع في المنطقة لا يقتصر على المواجهة المفتوحة بين الشعوب والأنظمة الاستبدادية بل يتجاوزه إلى طرف ثالث هو الأخطر على الشعوب وعلى الأنظمة وهي القوى الخارجية المستفيدة من التناقضات الداخلية في المنطقة العربية. فباستثناء الكيان الصهيوني المستفيد الأول من حالة التناحر العربي منذ اغتصاب فلسطين دخلت إيران بحلمها الإمبراطوري على خط الثورات العربية لتكشف بجلاء حجم الاختراق الذي نجحت في تحقيقه طوال فترة السبات العربي الطويل.
الدروس كثيرة والعبر عديدة وهي أكثر من أن تحصى في مقال صغير لكن من بين دروس الزلزال الكبير الذي ضرب المنطقة علامات فارقة ومعطيات مركزية في دلالتها وفي ضرورة الوعي بها لأنها ستؤسس حركة ردود الأفعال العربية المستقبلية سواء منها الرسمية أو الجماهيرية.

التغيرات السياسية
آخر التغيرات ما هو بصدد الحدوث في قلب البيت الخليجي وداخل أكبر دول المنطقة الخليجية وأكثرها تأثرا في العالم وفي جوارها الإقليمي والمحلي. المملكة العربية السعودية تشهد أعمق التغيرات في تاريخها الحديث سواء على مستوى بنية السلطة والحكم في داخل المملكة أو على مستوى الخيارات المطروحة على هذه الدولة فيما يخص الملفات العربية الحارقة خاصة بعد أن عجز النظام السعودي خلال ولاية العهد السابقة عن توقع حجم الأخطار المحدقة بالبيت الخليجي أو بالمنطقة العربية ككل. كل المؤشرات الداخلية والخارجية تؤكد تحول المملكة من وضعية رد الفعل إلى وضع الفعل والمبادرة بالفعل وهو تحول تترجمه عاصفة الحزم الأخيرة التي تدفع عبرها المملكة السعودية زحف المليشيات الحوثية والمخططات الإيرانية عن المنطقة العربية خاصة بعد سقوط العراق وسوريا ولبنان بين مخالب القط الإيراني. على حدود المملكة من الجهة الجنوبية الغربية عرفت مصر رجة كبيرة ناجمة عن سقوط نظام مبارك ثم وصول أول شخصية مدنية للسلطة في أكبر الدول العربية قبل أن يطيح بها انقلاب دام أعاد سلطة العسكر إلى مصر وأثر تأثيرا بالغا على مخرجات الربيع العربي في كل من سوريا وليبيا وتونس واليمن. ففي ليبيا المجاورة تعثرت الثورة الليبية بعد دخول النظام الانقلابي المصري على خط الثورة المضادة مدعوما بالمال الخليجي المساند للانقلابات والمعادي لكل رياح التغيير وهو تغيير تحوّل اليوم من حاجة ملحة إلى ضرورة وجودية للأمة بأسرها.

قراءتان في التغيرات العربية
نظريتان تتنازعان الأحداث الأخيرة في الوطن العربي. النظرية الأولى ترى أن التغيير أصبح حتميا وأن الانفجارات التي عرفتها المنطقة والتي مازال يُسمع صداها في أرجاء الأرض العربية دليل قاطع على أن التطور التاريخي قد بلغ مرحلة انتقالية تؤذن بنهاية حقبة وبداية حقبة أخرى جديدة. أي أن الأحداث الأخيرة من ثورات الربيع العربي هي نتيجة طبيعية لتراكمات سابقة وصلت إلى أوجها في الانفجار الكبير الذي عرفه الوطن العربي منذ خريف 2010 وليس تمدّد هذا الانفجار إلى العديد من الدول إلا دليلا مباشرا على أن هذه التراكمات تخص كامل الكيانات العربية ولا تقتصر على دولة بعينها. أما النظرية الثانية فلا تؤمن بمبدأ التطور التاريخي للمجتمعات وبمبدأ التراكمات وتقيّم ما حدث في المنطقة خلال السنوات الأربعة الأخيرة على أساس الصدفة التاريخية وهي تحتجّ في ذلك بالعودة السريعة للنظام القديم التي تؤكد مبدأ الصدفة التاريخية في مجمل التغيرات التي عرفتها المنطقة مؤخرا. أي أن عودة الدولة العميقة إلى الحكم إنما هو عودة إلى القاعدة وعدول عن الاستثناء الذي شكل لحظة فجئية في واقع المنطقة لم تدم طويلا.
صمود التحركات الشعبية في أغلب الدول العربية التي شهدت ثورات شعبية كبيرة يؤكد موضوعية القراءة الأولى ويثبت أن الثورات لم تكن صدفة تاريخية وإلا لما كانت تصاعدية النسق ولَمَا شملت كل المنطقة تقريبا وخصّت الأنظمة الجمهورية والعسكرية بشكل مباشر لكن تداعياتها المباشرة وغير المباشرة شملت كل الدول العربية بدون استثناء وفاضت تأثيراتها على المحيط الإقليمي المباشر. إضافة إلى ذلك فإن مجمل التداعيات الحرة للربيع العربي والتي لا تزال تسمع أصداؤها في أكثر من دولة عربية هي في نظرنا مواصلة للتراكمات التاريخية المتعاقبة والناجمة بدورها عن الانفجار الكبير للثورات العربية الأخيرة.

الأدوار السياسية للنخب العربية.
ما أنجزه الربيع العربي يكمن أيضا في كشف الأدوار التي كانت لمختلف النخب السياسية العربية سواء الحاكمة منها أو المعارضة بعد تسلمها السلطة في أكثر من بلد وخاصة بعد سقوط رأس النظام الاستبدادي. الثابت الأكيد هو أن النخب السياسية وغير السياسية العربية لم تكن جزءا من الربيع العربي فهي لم تدع إليه ولم تقده وإنما انتفعت به بعد أن أنجزته الطبقات الشعبية المسحوقة بفعل الاستبداد وجرائم النظام الشمولي. لكن الفراغ الذي تركه رحيل رأس النظام والدوائر الضيقة المحيطة به كشف تكالب النخب السياسية الإيديولوجية على السلطة فظهر الشرخ عميقا على أصعدة عديدة في خطاب النخب السياسية وفي ممارستها. الشرخ كان واضحا بيّنا بين النظرية والممارسة مثلما هو الحال في تجربة الإخوان المسلمين في مصر أو حركة النهضة في تونس وتجلى ذلك في عدم وعيها بشراسة الدولة العميقة وتجذّرها في مفاصل الدولة والمجتمع. نفس شرخ بدا جليا بين القوى والمدارس السياسية التي كانت تؤثث المشهد المعارض في الدول العربية والتي كانت توحدها بنية الاستبداد ومواجهتها له لكن سقوط هذه البنية تسبب في تصدع الجبهة المعارضة خاصة في صراعها المحموم على السلطة وعلى النفوذ. النخب السياسية العربية لم تنجح في تحقيق الانتقال الديمقراطي بعد الثورات الأخيرة ولم توفق في تجسيد مطالب الثورة والثوار بل غلبت النزعة الفردية والايدولوجيا العمياء على الخطاب الوطني المسئول وعلى تقديم المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية الضيقة.
اليوم وبعد تجربة السلطة في ظل الثورات العربية ومجموع المتناقضات التي أفرزها الواقع العربي الذي تمخض عنه الزلزال الأخير صار لزاما على النخب العربية وخاصة السياسية منها مراجعة خطابها السياسي ونظرياتها الايديولوجية وتجديد قراءتها للواقع ولطرق تغييره. هذا المطلب لم يعد اليوم خيارا ظرفيا بقدر ما هو حاجة ملحة وضرورة وجودية لحياة النخب نفسها أمام سيل الاتهامات التي ترى فيها جزءا من نسق الاستبداد نفسه وتحملها نصيبا وافرا من الحالة التي آلت إليها الأمة ومن مجموع الانتكاسات التي تعرفها محاولات التغيير للواقع العربي.

استثمار التغيير عربيا.
قد تختلف القراءات التقيمية لمخرجات السنوات الأخيرة ونتائجها بين تفاؤل أقصى وتشاؤم أقصى من الوضع الحالي في أكثر من بلد عربي. المتشائمون يرون في الثورات العربية كارثة على الأمة بلغت حدّ التعويل على نظرية المؤامرة في تفسير ما جرى على الأرض وهم يعتبرون أنّ سقوط رأس الاستبداد في الدول التي شملها التغيير كان كارثيا وكان من الأفضل الإبقاء على الوضع السائد. هؤلاء أنفسهم أثبتت الوقائع أنهم مرتبطون ارتباطا وثيقا بالنظام الاستبدادي وأنهم مستفيدون بشكل مباشر من بقاء النظام العربي الرسمي في شكله الاستبدادي الذي ثارت ضده الجماهير العربية. المتفائلون يرون في التغيير ـ ورغم الوقائع الكارثية الناجمة عنه من خلال انتشار العنف والفوضى ـ فرصة تاريخية لإنجاز مشروع التحول نحو مجتمع أكثر عدالة واحتراما لحقوق الفرد والجماعة.
الموقفان على تناقضهما إنما يعكسان تقييما زمنيا مختلفا للزلزال الأخير لأن الموقف الأول إنما يقيم النتائج الآنية للثورات العربية فيراها لم تنجز شيئا على مستوى الواقع الملموس غير الدمار والتخريب والعنف والعنف المضاد. أما الموقف الثاني فلا يأخذ بعين الاعتبار النتائج الآنية للتغيير بقدر ما يولي اهتماما كبيرا للمدى المتوسط والبعيد لحركة التغيير ويرى أن النتائج التي تبدو اليوم كارثية إنما هي ضريبة كل تحول اجتماعي شبيه بما شهده الوطن العربي منذ أربع سنوات. لكنه يرى أن التغيير مهما كانت نتائجه صار ضرورة ملحة للأمة بعد تكالب القوى الإمبراطورية على العواصم العربية من بيروت إلى بغداد فدمشق فصنعاء.
الأكيد هو أن عجلة التاريخ لا يمكنها أن تعود إلى الوراء وأن أهم ما أنجز الربيع العربي هو الدروس التي نتجت عنه والتي تحولت إلى وعي جديد سيشكل أساس المرحلة القادمة ومركز التغيرات التي ستشهدها الأمة العربية سياسيا واجتماعيا وثقافيا. وهي كلها تغيرات ستصب في مصلحة الأمة العربية التي تعيش اليوم أعظم مخاض في تاريخها.

التعليقات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

hyyyyyyyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyy
yyyyyyyyyyyyyyyy